روسيا على الخط
بعد عشرة أيام من الحرب اكتشف العالم أن روسيا لم تتخلّ عن إيران كما كان يعتقد. ولا الصين تخلت عنها. صديقا إيران الكبار زوداها بما جعلها تقف صامدة أمام الهجمات الأمريكية الإسرائيلية وتصد عن نفسها وترد عن شعبها. اكتشفت بريطانيا وجود الروس في قلب طائرة مسيرة من خلال أجهزة الكترونية دقيقة وفرت للطائرة وزميلاتها الدقة المتناهية لضرب أهداف غربية. خرج السفير الروسي في لندن يعلن على الملأ ان بلاده غير محايدة في هذه الحرب وأنها تساند إيران، ولما لا، فالغرب يساند أوكرانيا علنا، إذن فلن تستحي روسيا أن تساند إيران وهي حليفة أساسية لها في المنطقة. وهذا ما اكده وزير الخارجية الروسي لافروف عندما نبه العرب ألا يتوروطوا في الحرب لأن أمريكا تهدف إلى توريطهم ثم تنسحب ويضطر العرب في الخليج إلى شراء المزيد من السلاح الأمريكي لسنوات في حالة استنزاف لا نهائية للمال والأمن العربي.
الصين تساند إيران لكن بدون إعلان، المصادر تؤكد أنها تمدها بالطائرات واجهزة الرقابة والرصد، كل ذلك دعم الجيش الإيراني بقوة ومكنه من توجيه ضربات موجعة لإسرائيل في داخلها ولأمريكا في قواعدها. في السياسة العالمية والجغرافيا السياسية لا تتحرك الدول الكبرى بدافع العاطفة أو التضامن الأيديولوجي بقدر ما تتحرك وفق توازنات القوة. منذ سنوات يتشكل في العالم نمط جديد من الاستقطاب، ليس بالضرورة تحالفا عسكريا رسميا على غرار حلف الناتو، بل شبكة من التقاطعات بين قوى تشترك في هدف واحد، تقليص الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.
في هذا السياق تصبح إيران بالنسبة لروسيا والصين قطعة مهمة في رقعة شطرنج أوسع تمتد من البحر الأسود إلى المحيط الهادئ. روسيا تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية مزدوجة. فمن ناحية هو مسرح تقليدي للنفوذ الأمريكي، ومن ناحية أخرى هو منطقة حساسة لطرق الطاقة والتجارة العالمية. عندما تدعم موسكو طهران سياسيا أو تقنيا أو استخباراتيا لا تفعل ذلك لحماية شريك إقليمي فحسب، بل لأنها ترى في صمود إيران عاملا يشتت الضغط الغربي عنها في ظل الصراع الطويل بينها وبين الغرب. بالنسبة للكرملين، أي انشغال أمريكي كبير في الخليج يعني موارد عسكرية وسياسية أقل يمكن توجيهها نحو أوروبا الشرقية أو نحو محاصرة روسيا استراتيجيا.
أما الصين فتنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة قليلا. بكين ليست قوة عسكرية منخرطة في الشرق الأوسط بالطريقة الأمريكية، لكنها تعتمد بشكل عميق على الطاقة القادمة من الخليج وعلى استقرار طرق التجارة التي تمر عبره. إيران بالنسبة لها ليست مجرد شريك نفطي، بل عقدة جغرافية في مشروعها الكبير المعروف باسم مبادرة الحزام والطريق. لذلك فإن بكين تميل إلى منع انهيار إيران أو خروجها من المعادلة، لأن ذلك يمنح واشنطن نفوذا أكبر على طرق الطاقة التي تغذي الاقتصاد الصيني.
الدعم الروسي والصيني لإيران غير حسابات أمريكا وأربك تخطيطها، ليس لأنه يمنعها من العمل العسكري تماما، بل لأنه عطل أهدافها كما رفع كلفة الصراع وزاد تعقيده. عندما تتحول المواجهة من نزاع إقليمي إلى ساحة يتقاطع فيها نفوذ ثلاث قوى كبرى، فإن القرار العسكري يصبح مرتبطا بسؤال أكبر، هل يستحق الهدف الاستراتيجي المخاطرة بتوسيع الصراع إلى مواجهة بين قوى عظمى؟
بالنسبة لإسرائيل، فإن ميزتها الأساسية تاريخيا كانت التفوق العسكري والتكنولوجي السريع في محيط إقليمي أقل تطورا. لكن أي بيئة يتدفق فيها الدعم التقني أو الاستخباراتي من قوى مثل روسيا أو الصين قد تقلص هذا الفارق نسبيا، أو على الأقل تجعل العمليات العسكرية أكثر صعوبة وتعقيدا. ومع ذلك تبقى إسرائيل مرتبطة بشبكة دعم عسكرية واستخباراتية عميقة مع أمريكا، وهو عامل يوازن كثيرا من هذه المعادلة.
المسألة تعكس تحولا أوسع في بنية النظام الدولي. العالم في العقود الماضية كان أقرب إلى نظام أحادي القطبية تقوده أمريكا، لكن السنوات الأخيرة تشير إلى صعود نظام أكثر تعددية. في هذا النظام لا تتشكل التحالفات دائما على شكل كتل صلبة، بل على شكل تقاطعات مرنة، روسيا تتقارب مع إيران في ملفات معينة، والصين تدعمها اقتصاديا، بينما تحافظ دول أخرى على علاقات مع الطرفين في الوقت نفسه. هذا الدعم في الحقيقة جزء من صراع أعمق حول شكل النظام العالمي في العقود القادمة.
وهنا يصبح الشرق الأوسط، مرة أخرى كما حدث كثيرًا في التاريخ، ساحة يتقاطع فيها المحلي مع العالمي، وتتحول أزمات المنطقة إلى انعكاس لصراع أكبر بكثير من حدودها الجغرافية.
المؤكد أن هذه الحرب ستكون اختبارا تاريخيا لمعادلة الردع في الشرق الأوسط، فما بدأ كصراع إقليمي بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمكن أن يتحول بسرعة إلى صراع متعدد الأطراف بغطاء استراتيجي دولي. هنا تتدخل روسيا والصين، ليس بجيش مشترك، ولكن عبر شبكة من الأدوات الدقيقة، المعلومات الاستخباراتية، الحرب السيبرانية، التمويل الاقتصادي، والغطاء الدبلوماسي الدولي. كل طرف منهم يعمل بطريقة ذكية تحافظ على الحد الأدنى من المخاطرة المباشرة، لكنها في الوقت نفسه تزيد كلفة الحرب على الطرف الآخر بشكل كبير، وهو ما تعاني منه أمريكا حاليا.