الإمام سيد طنطاوي.. سيرة علم واعتدال
تمر علينا ذكرى وفاة الدكتور محمد سيد طنطاوى، شيخ الأزهر، وهو الإمام الثالث والأربعون لمشيخة الأزهر الشريف، نبل قدُره، وذاع صيتُه، وتصدّر للفتوى، وحارب التطرّف، وُلد يوم 28 أكتوبر سنة 1928م بقرية سليم الشرقية بمركز طما بمحافظة سوهاج، وبدأ حياته الدعوية إماماً وخطيباً في وزارة الأوقاف عام 1960م، وحصل الإمام الأكبر على الدكتوراه في تخصّص التفسير والحديث سنة 1966م، وعُيّن في كلية أصول الدين، وشغل منصب مفتى الديار المصرية في 28 أكتوبر 1986م، وظل فيه زهاء عشر سنوات، أصدر فيها نحو 7500 فتوى، ثم تولى مشيخة الأزهر يوم 27 مارس عام 1996م، وظل شيخاً للأزهر إلى أن توفى يوم 10 مارس 2010م، ودُفن في المدينة المنورة بالبقيع.
ترك الراحل عدداً من المؤلفات، منها: التفسير الوسيط، خمسة عشر مجلداً، وبنو إسرائيل في القرآن والسنة، والإشاعات الكاذبة وكيف حاربها الإسلام، وهذا هو الإسلام، والعقيدة والأخلاق، وأدب الحوار في الإسلام، والاجتهاد في الأحكام الشرعية، والمنهج القرآنى في بناء المجتمع.
كان -رحمه الله- خطيباً بارعاً، ومحاضراً أكاديمياً، وكان الراحل يُراهن على التيار الوسطى للقيام بمهمة التجديد، على اعتبار أن هذا التيار هو الجدير بحمل فكرة السعى لتحقيق مقاصد الشريعة، وفى سبيل هذا التجديد خاض الإمام معارك كثيرة، وقدّم اجتهادات لاقت اعتراضاً كبيراً من البعض، لكن ثبت أنه كان بعيد النظر، ومدركاً للواقع، وتحوّلت اجتهاداته إلى قبول ورضا، كما في موقفه من فوائد البنوك، ونقل الأعضاء، والتحذّير من الزيادة السكانية وبعض القضايا الفقهية.
قال الشيخ الإمام في كتابه (أدب الحوار في الإسلام): «فمن أبرز الأساليب الحكيمة التى استعملها القرآن الكريم في إقامة الأدلة على وحدانية الله أسلوب الحوار والجدال والمناقشة من أجل الوصول إلى الحق، عن اقتناع عقلى، وارتياح نفسى، واطمئنان وجدانى، والحكمة الإلهية قد اقتضت أن يكون الناس مختلفين، وأن رحمة الله التى وسعت كل شىء ستشملهم، ما دام اختلافهم من أجل الوصول إلى الحق والصواب».
والتفت الإمام الأكبر إلى خطورة الإشاعات الكاذبة على استقرار المجتمعات، وأثرها في نشر الفتن والقلاقل واهتزاز الثقة، فعل ذلك في أحاديثه ومقالاته، ثم جمع كتاباً كاملاً عنوانه: (الإشاعات الكاذبة وكيف حاربها الإسلام؟)، جاء فيه: «إذا كان تصديق الإشاعات الكاذبة في كل زمان ومكان، يؤدى إلى النكبات التى تلحق بالأفراد والجماعات، فإن تصديقها في زماننا الذى تعدّدت فيه وسائل الاتصالات، وصار العالم مدينة واحدة، يكون أشد شراً».
كما كانت للشيخ مجهوداته المضنية في إغاثة الملهوف، وعون السائل، وتضميد الجراح، وحينما حصل على جائزة الملك فيصل وقفها لبناء مجمع أزهرى كبير بقريته، وشهد عدد من رصفائه أنه يتنازل عن أى مكافآت تخصّه، ويحولها إلى صناديق الأزهر، وكان الشيخ -كما ذكر الدكتور طه أبوكريشة عضو هيئة كبار العلماء- يرفض ذكر هذا الجانب، وكانت دار الإفتاء تشغل بضع حجرات في عمارة في العباسية، فسعى في بناء الدار الحالية في منطقة الدراسة، كما أنشأ المبنى الجديد لمشيخة الأزهر سنة 1999م، وأعاد بناء مركز الأزهر للمؤتمرات.
وكان من أخلاقه الصفح والعفو عن طيب نفس، وتجلت هذه المعانى حينما كان في ليبيا، حيث رأى مصرع نجله «محمود»، بعد أن دهسته سيارة أمام عينيه، فغسَّله وكفّنه وصلى عليه، وعفا عن السائق المتسبّب في الحادث.