د. محمود الهواري يكتب: «العقيدة الطحاوية» للإمام أبي جعفر الطحاوي
د. محمود الهواري يكتب: «العقيدة الطحاوية» للإمام أبي جعفر الطحاوي
يُعد كتاب «العقيدة الطحاوية» للإمام أبى جعفر الطحاوى المتوفى عام 321هـ أحد أهم المتون العقدية الجامعة فى التراث السنى، ومن أمات الكتب المعتمدة فى علم التوحيد، وخاصة لدى المدرسة الأزهرية، وقد حظى هذا الكتاب بقبول واسع عبر القرون، نظراً لما يتميز به من خصائص.
ومن أهم ما يميز الكتاب: أنه متن موجز مختصر، بعيد كل البعد عن الجدل الكلامى اللاحق لزمن تأليف الكتاب، وكذلك يتميز بتركيزه على أصول الاعتقاد، بعيداً عن المسائل الفرعية، وكذلك يتميز بالسهولة فى عباراته، واختيار الألفاظ القريبة إلى أفهام الناس، والبعد عن المصطلحات الكلامية التى تناسب المتخصصين.
وبالرغم من هذه الخصائص والمميزات التى تميَّز بها الكتاب إلا أنها كانت، من وجه آخر، سبباً فى وجود قراءات متقابلة ومتعددة.
فلقد أوجدت عمومية بعض عبارات الكتاب حالة من التنازع بين المتعلمين والعلماء والشراح الذين تناولوا هذا الكتاب بالتدريس والشرح، مما جعل المدارس المختلفة تدَّعى كل مدرسة منها أن الكتاب يؤكد مذهبها وأفكارها، مما جعل علماء الأزهر ينظرون إلى بعض شروح الطحاوية علـى أنها نوع من الاختطاف للكتاب، ويؤكدون أنه ينتمى لحياض المذهب الأشعرى، وأن ادعاء بعض المعاصرين أن الكتاب ينتمى لفكر معين مغالطة كبيرة.
وهذا التنازع العلمى على منطلقات الكتاب، وادعاء أصحاب الفكر المغلق أنه ينصر رأيهم وحدهم وصل بنا إلى حالة من التضييق لمفهوم أهل السنة والجماعة، والذى يتسع لكل من استقبل قبلتنا وصلى بصلاتنا وأكل ذبيحتنا.
وإذا كنا نتكلم عن الكتاب وما يدور حوله فإن من الواجب أن نؤكد خطورة الغلو العلمى فى التعامل مع هذا الكتاب، هذا الغلو يظهر فى صور متعددة، منها: غلو الإقصاء، حين يدَّعى كل فريق أن الطحاوية تمثله هو وحده، وتُخرج من عداه من دائرة أهل السنة والجماعة، ومنها غلو التحميل، حين يُحمِّل البعض عبارات الطحاوى ما ليس فيها، وما لم يقصد الطحاوى نفسه، ومنها غلو التبديع والتضليل، حين تتحول المسائل التى تقبل اختلاف العقول إلى قضايا تفسيق أو تضليل.
والمتأمل لهذا النزاع يدرك، بأدنى نظر، أن حالة التدافع الفكرى بين المدارس المختلفة الآن أشد مما كان عليه الخلاف العلمى القديم وقت تحرير الطحاوى لكتابه، وبمعنى مؤلم إن ما وضعه الطحاوى لتجتمع عليه الأمة، ويكون سبباً فى قوتها ووحدتها أصبح ساحة لإعادة إنتاج صراعات فكرية وخلافات عقدية قديمة.
ولم يقسم الإمام الطحاوى كتابه إلى أجزاء أو أقسام، فقد كان موجزاً كما أشرنا، ولكن الشراح هم الذين قسموه أثناء شرحهم له، غير أنه على وجازته شمل كل مباحث العقيدة، بدءاً من تنزيه الله عن مشابهة خلقه وعن الشريك والولد، وإثبات أسمائه وصفاته من غير تمثيل ولا تكييف، وبيان أن الله علم كل شىء وكتبه وشاءه وخلقه، ومباحث النبوة وختمها بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان واجب الأمة تجاه الصحابة، والكف عما شجر بينهم، والإيمان باليوم الآخر وما فيه من أحوال القبور، والبعث والنشور، والحوض والشفاعة، والميزان والصراط، والجنة والنار.