هل تدفع إسرائيل وإيران نحو حرب إقليمية؟
فى خضم التصعيد العسكرى المتسارع فى الشرق الأوسط، يطرح المراقبون سؤالاً جوهرياً: هل تتجه المنطقة نحو حرب إقليمية أوسع؟ وهل تسعى إيران فعلاً إلى توسيع نطاق المواجهة، أم أن إسرائيل هى الأخرى ترى فى اتساعها مخرجاً استراتيجياً لتحقيق أهدافها؟
فقراءة المشهد الإقليمى تكشف أن الطرفين، رغم العداء العميق بينهما، قد يلتقيان -ولو بشكل غير مباشر- عند نقطة واحدة: استمرار الصراع واتساعه. فلكل منهما حساباته السياسية والأيديولوجية التى قد تجعل من الحرب الممتدة أو متعددة الجبهات أداة لإعادة ترتيب موازين القوى فى المنطقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة.
من الجانب الإسرائيلى، تبدو الحرب مع إيران امتداداً لمسار طويل من المواجهة مع المشروع الإيرانى فى المنطقة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، تبنّت منذ سنوات خطاباً يقوم على اعتبار إيران التهديد الاستراتيجى الأكبر لإسرائيل. ولذلك فإن المواجهة معها لا تُقرأ فقط فى إطار الردع العسكرى، بل فى إطار محاولة إعادة صياغة التوازنات الإقليمية.
فى المقابل، تنظر إيران إلى الصراع مع إسرائيل بوصفه جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمكانتها الإقليمية وبمشروعها السياسى. وقد عملت طوال السنوات الماضية على بناء شبكة من الحلفاء والفاعلين المسلحين فى المنطقة، من أجل خلق نوع من الطوق الاستراتيجى حول إسرائيل.
لكن العامل الأبرز فى هذه المرحلة ربما يتعلق بطبيعة القيادة السياسية الحالية فى إيران، فالطبقة الحاكمة فى طهران تفتقر إلى الخبرة السياسية التى امتلكتها المجموعة من القيادات الإيرانية التى جرى اغتيالها خلال السنوات الماضية، كما أن الطبقة الجديدة تبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع بمنطق القوة العسكرية بدلاً من الحسابات السياسية المعقدة.
لا شك أن أى جماعة جديدة فى الحكم تحتاج إلى بعض الوقت كى تختمر تجربتها وتكتسب الخبرة السياسية التى تُمكِّنها من إدارة شئون البلاد بحكمة ونجاح. فقد استغرق الأمر سنوات طويلة من التجاذبات قبل أن تصل طهران وواشنطن إلى توافق دبلوماسى بلوره الاتفاق النووى عام 2015 فى عهد إدارة باراك أوباما. لكن هذا المسار تعرَّض لانعطافة حادة بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث قرر الانسحاب من الاتفاق وفرض سياسة «الضغوط القصوى» على إيران.
فى المقابل، تبرز مسألة العلاقة بين ترامب وإسرائيل، التى يفسرها البعض على أنها علاقة تبعية للقرار الإسرائيلى. غير أن قراءة أكثر عمقاً للمشهد تشير إلى أن ترامب نفسه يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً تجاه إيران، سبق تحالفه مع الحكومة الإسرائيلية الحالية.
ففى حملته الانتخابية عام 2016، كان رفض الاتفاق النووى مع إيران أحد أبرز وعوده السياسية، وقد ترجم ذلك بالفعل بعد وصوله إلى السلطة. كما أن سياساته تجاه طهران شملت خطوات تصعيدية كبرى، أبرزها اغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليمانى وفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة.
بمعنى آخر، فإن التقارب بين ترامب ونتنياهو لا يعكس بالضرورة تبعية أحدهما للآخر، بل يعكس تقاطعاً فى الرؤية السياسية تجاه إيران.
وفى هذا السياق، تبرز أيضاً مسألة المعلومات الاستخباراتية ودورها فى تشكيل القرارات الكبرى. فقد أشار وزير الخارجية الأمريكى السابق أنتونى بلينكن، فى تصريحات إعلامية سابقة، إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن كادت أن تنخرط فى عمل عسكرى ضد إيران استناداً إلى معلومات استخباراتية إسرائيلية تبيَّن لاحقاً أنها غير دقيقة.
هذه الواقعة تسلط الضوء على مدى تعقيد عملية صنع القرار فى مثل هذه الأزمات، حيث يمكن لمعلومة خاطئة أو تقدير غير دقيق أن يدفع المنطقة بأكملها إلى حافة مواجهة واسعة.
وفى سياق متصل، يبدو موقف دول الخليج العربى شديد التعقيد، إذ وجدت نفسها فى موقع بالغ الحساسية فى خضم هذه التطورات. فقد حاولت هذه الدول طوال الفترة الماضية تجنب الانخراط فى الصراع، بل وبذلت جهوداً سياسية لتخفيف التوتر ومنع اندلاع الحرب.
وقد أعلنت أكثر من دولة خليجية بوضوح أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد إيران، فى محاولة لإبعاد نفسها عن دائرة المواجهة المباشرة. لكن رغم هذه المواقف، فإن تداعيات الحرب وصلت إليها بالفعل، سواء من خلال التوترات الأمنية أو المخاطر التى تهدد الملاحة وإمدادات الطاقة فى المنطقة.
ولذلك فإن ما يحدث اليوم قد يترك أثراً عميقاً على مستقبل منظومة الأمن الإقليمى فى الخليج. فمن المرجَّح أن تدفع هذه الأزمة دول المنطقة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية وتحالفاتها الإقليمية والدولية.
وربما نشهد، بعد انتهاء الحرب، تحولات مهمة فى طبيعة العلاقات الأمنية فى الخليج، بما فى ذلك ظهور ترتيبات وتحالفات جديدة تهدف إلى تعزيز الاستقرار وحماية المصالح الحيوية للدول.
فى النهاية، لا يمكن النظر إلى الصراع الحالى باعتباره مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وإيران. فهذه الحرب، طال أمدها أم قصر، تحمل فى طياتها ملامح إعادة تشكيل أوسع للتوازنات الإقليمية فى الشرق الأوسط.