القوة القاهرة

على هامش الحرب الدائرة حالياً فى المنطقة ظهر مصطلح جديد على ساحة الإعلام هو مصطلح «القوة القاهرة»، وقد استخدمته بشكل أساسى بعض الدول والشركات المصدرة للبترول والغاز، لتعبر به عن عدم قدرتها على الوفاء بالتعاقدات على توريد الشحنات المتفق عليها سابقاً، بسبب ظروف الحرب التى تمنعها من ذلك بشكل قاهر.


الحياة بطبيعتها مليئة بالمفاجآت، ويصح أن يواجه أى طرفين سبق واتفقا على أمر معين ظرفاً طارئاً يمنع أحدهما من الوفاء بوعوده وعهوده. وهذه المسألة عامة فى الحياة ولا تقتصر على الشركات، بل تمتد إلى أى أطراف حتى ولو كان أباً وابنه. فالأب يمكن أن يعد ابنه بزيادة فى المصروف ثم لا يلتزم بذلك بسبب ظروف طارئة قد استجدت عليه، كأن يكون قد ترك عملاً معيناً يقوم به، أو فاتته صفقة كان يعول عليها أو غير ذلك. وقد تكون الظروف حقيقية، وقد تكون مُدّعاة ومزعومة لا أصل لها. وهناك نمط من الآباء المحترفين الذين لا يلعبون لعبة الحرمان لأبنائهم بالحديث عن ظرف معين حصل لهم، بل من خلال استغلال ظرف خارج عنهم، مثل التمحك بأن الابن لا يذاكر دروسه كما ينبغى، وأنه لا يترك الموبايل من يده، وأنه يصاحب فلاناً أو علاناً الذى لا يرضى عنه أبوه، وهكذا.


فالقوة القاهرة قد تعبر عن حالة عجز حقيقية عن الوفاء بالعهود والوعود، وقد تعبر عن حالة مصطنعة قائمة على استغلال الظروف العامة لتمرير قرارات أو خطوات معينة. فقد كانت بعض حكومات العالم صادقة فى الحديث عن القوة القاهرة التى تمنعها من الوفاء بتعاقداتها فى تصدير البترول والغاز بسبب الحرب، فى حين كانت حكومات أخرى مراوغة وهى تتحدث عن ذلك، لتبرر بموضوع «القوة القاهرة» اتخاذ قرارات معينة، تماماً مثل الأب الذى يجتهد بكل السبل فى عدم منح ولده «المصروف» ويبرر له ذلك بظروف قاهرة من خارجه، مثل انشغاله وحزنه على مرض «واحد صاحبه» وعدم وجود استعداد نفسى لديه أن يُرضى ابنه فى الوقت الذى يجد فيه صاحبه يعانى.


وفى إطار نظرية القوة القاهرة يفترض أن تعود الحكومات والشركات إلى الالتزام بتعاقداتها بعد زوال الظروف التى استجدت وحالت بينها وبين الوفاء بالتزاماتها. فماذا تنتظر وقد زالت الظروف الضاغطة وعادت المياه إلى مجاريها وتوقفت مظاهر الخطر؟ عدم الالتزام فى هذه الحالة قد يؤدى إلى عقاب الطرف الذى يمتنع عن العودة إلى ما قبل مرحلة الظروف القاهرة، لأن كل التعاقدات تنص على شروط جزائية فى حالة عدم احترام أحد الطرفين لالتزاماته. فإذا كان من الوارد تفعيل بند «القوة القاهرة» فى فترة، فمن الضرورى تحييده بعد أن تتعدل الأوضاع، وإلا كان الشرط الجزائى هو السبيل الوحيد للتعامل مع الطرف الممتنع عن العودة إلى «قديمه»!