الرقم الصعب في معادلات المنطقة

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

يقف الشرق الأوسط اليوم على الحافة، مع تصاعد التوترات والصراعات المفتوحة، بدءاً من الحرب فى غزة، مروراً بالتصعيد الإسرائيلى مع قوى إقليمية متعددة، وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.


وفى منطقة كهذه اعتادت أن تعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة، تبدو فكرة الاستقرار نفسها إنجازاً سياسياً.


وفى قلب هذا المشهد المضطرب، تظل مصر حاضرة بوصفها رقماً صعباً فى معادلات المنطقة، ليس عبر الصخب السياسى أو الاستعراض العسكرى، ولكن من خلال ما يمكن تسميته بـ«القوة الهادئة».


هذه القوة الهادئة لا تعنى غياب النفوذ أو تراجع الدور، وإنما تعكس نمطاً مختلفاً من إدارة السياسة الإقليمية، يقوم على التوازن، والحسابات الدقيقة، والقدرة على التأثير دون الانزلاق إلى صراعات مباشرة.


الدول الكبرى فى الإقليم -أى إقليم- لا يتم تقدير أهميتها فقط بما تملكه من أدوات القوة الصلبة، بل أيضاً بقدرتها على إدارة الأزمات، واحتواء التوترات، والحفاظ على الاستقرار فى بيئة سياسية مضطربة فى غالب الأحيان.


ومن هذا المنظور، تقف مصر كحالة خاصة فى الشرق الأوسط. فهى ليست مجرد دولة كبيرة من حيث عدد السكان أو بحسب موقعها الجيوسياسى. مصر دولة تمتلك مزيجاً مركباً من عناصر القوة السياسية والاستراتيجية، فموقعها الجغرافى وحده يضعها فى قلب المعادلات الإقليمية، حيث تتحكم فى أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، وهو قناة السويس، الذى يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة بين الشرق والغرب.


لكن أهمية مصر لا تتوقف عند الجغرافيا وحدها، لأنها تمتلك أيضاً خبرة سياسية طويلة فى إدارة التوازنات الإقليمية، وهى خبرة تشكلت عبر عقود من التفاعل مع أزمات الشرق الأوسط المتلاحقة. ومن الصراع العربى الإسرائيلى إلى الحروب الإقليمية، ومن صعود الحركات المسلحة إلى تحولات النظام الدولى، كانت مصر دائماً طرفاً حاضراً بقوة فى معادلات الاستقرار.


هذه الخبرة التاريخية جعلت السياسة المصرية تميل بطبيعتها إلى الواقعية، وهى واقعية تقوم على فهم عميق لطبيعة المنطقة السياسية غير المستقرة، والتى لا يمكن إدارة شئونها بمنطق التحالفات الصلبة أو المواجهات المباشرة.


فضاء الشرق الأوسط متغير، وتتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية بشكل معقد، ولهذا السبب تميل القاهرة إلى تبنى سياسة تقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، بدلاً من السقوط فى فخ الاستقطابات الحادة.


من هنا تأتى أهمية الدور المصرى فى أوقات الأزمات، فبينما تتجه بعض القوى الإقليمية إلى التصعيد، غالباً ما تتحرك القاهرة فى اتجاه التهدئة، وبينما تنجرف أطراف أخرى إلى صراعات المحاور، تحاول مصر الحفاظ على تلك المسافة التى تسمح لها بالقيام بدور الوسيط أو الجسر السياسى بين الأطراف المتصارعة.


ويظهر هذا الدور بوضوح فى العديد من الملفات الإقليمية، حيث تلعب مصر دوراً محورياً فى إدارة بعض أكثر الأزمات تعقيداً فى المنطقة.
وتدرك القاهرة أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه من خلال الحروب وحدها، بل يتطلب أيضاً جهوداً دبلوماسية وسياسية قادرة على خلق المساحات اللازمة للحوار والتسوية.


وتنبع قوة مصر (الهادئة) من عامل بالغ الأهمية، وهو استقرار الدولة نفسها داخلياً، ففى منطقة تعانى من انهيار مؤسسات الدولة فى أكثر من بلد، يصبح وجود دولة مستقرة ذات مؤسسات قوية عاملاً مؤثراً فى توازنات الإقليم، والدولة التى تنجح فى الحفاظ على تماسكها الداخلى تملك قدرة أكبر -بطبيعة الحال- على التأثير خارج حدودها.


ومن هنا فإن الاستقرار الداخلى فى مصر لا يمثل مجرد مسألة محلية، لكنه عنصر من عناصر التوازن الإقليمى.


وتمثل القاهرة فى الوقت الراهن بالنسبة لكثير من القوى الدولية والإقليمية نقطة ارتكاز مهمة، وهو ما يمنحها الوزن السياسى الذى يتجاوز حدودها الجغرافية لأبعد مدى.


إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الدور المصرى فى تأمين الممرات البحرية الحيوية فى المنطقة، سواء فى البحر الأحمر أو فى البحر المتوسط وفى ظل التوترات المتزايدة التى تهدد حركة الملاحة الدولية، يصبح هذا الدور أكثر أهمية، خاصة فى ضوء ارتباط الاقتصاد العالمى بهذه الممرات الاستراتيجية.


ويبقى العنصر الأهم فى القوة الهادئة المصرية، هو قدرتها على التمسك باستقلال قرارها السياسى، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية، دون أن تتحول إلى جزء من صراع المحاور العالمية.


هذه السياسة تمنح مصر هامشاً مناسباً للحركة والتكيف مع التحولات الدولية المتسارعة، وهو ما يعزز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية فى بيئة دولية متغيرة.


وفى ظل اشتعال الإقليم اليوم، تبدو هذه المقاربة أكثر أهمية من أى وقت مضى، فالحروب والصراعات قد تغير خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط، لكنها لا تلغى الحاجة إلى قوى إقليمية قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن والاستقرار.


ولهذا السبب، ستظل مصر رقماً صعباً فى معادلات المنطقة، وتظهر قوتها الحقيقية ليس بقدرتها على خوض الحروب، ولكن بمنعها أو احتواء آثارها إن وقعت.


وهكذا، بينما تشتعل الصراعات فى أكثر من نقطة فى الشرق الأوسط، تواصل مصر ممارسة دورها بطريقتها الخاصة: قوة هادئة، لكنها حاضرة؛ نفوذ متزن، لكنه مؤثر؛ ودولة تدرك أن الاستقرار فى هذه المنطقة المضطربة ليس مجرد خيار سياسى، لكنه ضرورة استراتيجية لا غنى عنها.