أحمد عزمي.. الموهبة التي رأيتها قبل الجميع

في مطلع الألفية الثالثة، حين كانت الصحافة السينمائية المصرية منشغلة بالنجوم المؤسَسين والأسماء المعروفة، كانت ثمة مساحات صغيرة لصحفي يؤمن بأن الحقيقة الفنية كثيرا ما تبدأ هناك، حيث لا ضجيج ولا أضواء. كانت لدي في جريدة "صوت الأمة" ومجلة "سينما أون لاين" فرصة نادرة، أن أكتب عن المواهب الجديدة قبل أن تتحول إلى ظاهرة، وقبل أن تشتعل حولها المناقشات. وكان أحمد عزمي واحدا ممن رصدتهم في تلك المرحلة الباكرة، حين وقفت أمام فيلم "الأبواب المغلقة" وأدركت أنني أمام ممثل لا يشبه ما حوله؛ صبي لا يتظاهر، وإنسان لا يمثل.

لم أكن أعلم وقتها أن ذلك الفتى الذي حمل كل تلك الثقل الإنساني على كاهله أمام الكاميرا سيظل يتجدد ويتعمق عقودا بعدها. لكن الموهبة الحقيقية لا تكذب، ولا تتوقف عن المفاجأة.

من يتابع مسيرة أحمد عزمي يلاحظ أنها لم تكن مسيرة الصعود الأملس الذي يحبه الإعلام ويسهل تناوله. كانت فيها فجوات وانقطاعات، وكان فيها ما يشبه الاختفاء. وفي مجتمع الفن المصري الذي يفرح بصعود النجم ولا يستطيع الصبر على تعثره، كان ذلك ثمنا باهظا. لكن المفارقة أن تلك الفجوات ذاتها هي التي صنعت الممثل الذي يقف أمامنا اليوم؛ رجل اكتوى بالحياة، وحمل همومها الحقيقية، فصار حين يقف أمام الكاميرا لا يحتاج إلى تمثيل الألم، لأنه يعرفه.

في رمضان 2025، وفي مسلسل "ظلم المصطبة" لأحمد فوزي صالح وإخراج هاني خليفة، وقف أحمد عزمي في جلباب أبيض ولحية بيضاء، ليجسد شخصية الشيخ علاء في بيئة ريفية تسودها أعراف ظالمة وعادات عرفية بعيدة عن القانون والشرع. لم يكن الدور ترفا تمثيليا؛ كان اختبارا حقيقيا لقدرة الممثل على التحول الكامل، جسدا وروحا وصوتا. وكان عزمي قد أخبر الصحافة قبل العرض بأن الدور مختلف كليا عما قدمه من قبل، وأنه سيكون مفاجأة للجمهور. وبالفعل كان كذلك، لكن ليس بالمعنى الاستعراضي للمفاجأة، بل بمعنى أعمق، أن يرى المشاهد ممثلا يملك الجرأة على أن يكون شخصا آخر تماما، وأن يصدق.

هذا العام، في رمضان 2026، يعود أحمد عزمي في "حكاية نرجس"، يجسد شخصية "جمال"، سائق عربة نصف نقل، أخ حمزة العيلي في بيئة تعود بنا إلى أواخر التسعينيات، في عمل مستوحى من قصة حقيقية ويتناول قضية تأخر الإنجاب وما يلقيه ذلك من ضغوط وظلال قاتمة على حياة الأسرة. وقد بلغ استغراق عزمي في الشخصية حد أن خسر 5 كيلوجرامات من وزنه تلبية لمتطلباتها.

في "حكاية نرجس"، لا يقدم عزمي دورا مساعدا بالمعنى التقليدي، بل يقدم حضورا. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين ممثل يؤدي المشهد وممثل يضيء ما حوله.

ما يميز أحمد عزمي عن كثير من أبناء جيله أنه لا يطلب من المشاهد أن ينتبه إليه، بل يجعل الانتباه أمرا لا مفر منه. موهبته من النوع "الرايق" الذي لا يصرخ ولا يستعرض، بل يسكن الشخصية من الداخل ويتركها تتنفس أمامك بشكل طبيعي. وهذا النوع من الأداء هو الأصعب على الإطلاق، لأنه لا يخفي خلفه أي حيلة، الكاميرا كاشفة لمن يتظاهر، وهي في المقابل كريمة جدا مع من يصدق.

في "حكاية نرجس"، وفي مشهد وفاة والدته تحديدا، قدم أحمد عزمي درسا في التمثيل الحقيقي. لم يكن ثمة حوار يحمله، ولا نص يسنده، بل كان وحده في مواجهة الكاميرا ومواجهة اللحظة. ما خرج منه في ذلك المشهد لم يكن أداء بالمعنى التقني، بل كان استدعاء حقيقيا للحزن من مكان عميق، فأوصله إليك دون أن يستأذنك. وهذه هي العلامة الفارقة للممثل الكبير: أن يجعلك تحزن معه قبل أن تدرك أنك تفعل ذلك.

ما يجعل تجربة أحمد عزمي في السنوات الأخيرة نموذجا يستحق الوقوف عنده هو تلك المعادلة النادرة، ممثل يختار أدوارا في منطقة وسط، لا بطولة مطلقة ولا تمثيل جانبي عابر، بل ذلك الفضاء الدقيق الذي يسمي النقاد أصحابه "عمدان الدراما".

في هذا الفضاء تحديدا أثبت عزمي أنه واحد من أقدر الممثلين المصريين على حمل المشهد بلا ضجيج، وعلى بناء شخصية متكاملة في مساحة محدودة. وهو ما يتطلب في الحقيقة موهبة أكبر مما يتطلبه الأداء في البطولة المطلقة، التي تمنحك الوقت والمساحة وكل المشاهد لصالحك.

حين نكتب اليوم عن أحمد عزمي بهذا الإجلال، يجدر أن نتذكر أن ثمة لحظات سابقة رأى فيها من رأى هذه الجذوة قبل أن تشتعل. "الأبواب المغلقة" لم يكن صدفة، وما جاء بعده لم يكن مفاجأة لمن كان يراقب. المواهب الحقيقية لا تظهر فجأة، هي فقط تنتظر أن يأتي من يتعب في رؤيتها.