ريهام عبدالغفور.. حين ألقت عصاها.. فابتلعت ثعابينهم جميعاً
فى كل موسم رمضانى، اعتدنا على المشهد ذاته، معارك التريند، وحروب المشاهدات، وجيوش افتراضية يقودها محبو هذا النجم أو ذاك فى صراع لا ينتج فناً ولا يكرس موهبة، بل يصنع ضجيجاً يملأ الفراغ. أرقام على شاشات يمكن تزويرها، ويمكن شراؤها، ويمكن تصنيعها. المعيار الوحيد للنجاح بات: «مَن يحتل الصدارة فى خوارزمية يوتيوب؟» بصرف النظر عن قيمة ما يقدم.
ثم جاء النصف الثانى من رمضان 2026، وجاء معه مسلسل «حكاية نرجس». لم تأت ريهام عبدالغفور ببيان دعائى، ولا بحملة تسويقية، ولا بظهور تليفزيونى يسبق العرض. نزلت إلى الملعب وفى يدها عصاها الوحيدة؛ موهبتها الصافية التى بنتها دوراً بعد دور على مدى ربع قرن. وما إن ألقت تلك العصا على الأرض حتى حدث ما حدث لموسى أمام سحرة فرعون، فابتلعت ما يأفكون.
منذ ظهورها الأول، اختارت ريهام عبدالغفور أن تكون ممثلة لا تبحث عن تريند أو شهرة. لم تنتظر دور البطولة المطلقة لتثبت وجودها، ولم تستعن باسم والدها الراحل أشرف عبدالغفور درعاً تقيها صعوبة الطريق. بدلاً من ذلك، راحت تكدس الخبرة دوراً تلو الآخر فى مسيرة تكشف عن وعى فنى نادر بمسار النضج.
البدايات فى أعمال وضعتها فى خانة «البنت الرقيقة الكيوت»، وهى خانة كثيراً ما تتحول إلى سجن يقيد الممثل طويلاً، لكن ريهام لم تقبل بذلك السجن. فى «الريان» انتزعت أولى نقلاتها الكبرى بشخصية «بدرية»، الزوجة المتسلطة، فبرهنت أن الوجه البرىء قادر على حمل شر مركب حين تسنده موهبة حقيقية. وفى «حارة اليهود» قدمت شخصية «ابتهال»، الراقصة فى رحلة تحول متكاملة.
والمحطة الأكثر دلالة على طبيعة ريهام الفنية كانت «غرفة 207» المأخوذة عن رواية أحمد خالد توفيق. هنا أقدمت على مغامرة نادرة، مظهر مخيف وغريب أبعد ما يكون عن ملامحها الهادئة، كان صادماً لأنه خدم الشخصية ولم يخدم النجمة. «ريهام» اختارت الشخصية على حساب الجمال، وهذا هو فارق الجوهر بين مَن يؤدى ومن يجسد.
«نرجس» حين تكتمل الأسطورة
«حكاية نرجس» ليس مجرد دراما تليفزيونية، فالعمل مستوحى من قضية حقيقية هزت الرأى العام المصرى، لامرأة عرفت إعلامياً بـ«بنت إبليس»، سيدة طُلقت بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، فوجدت نفسها أمام مجتمع يشهر فى وجهها وصمة العقم كسلاح. الضغط المتراكم، والجرح المتأجج، قاداها إلى التنكر فى زى ممرضة وخطف رضعاء من المستشفى مرات متعددة حتى انكشف أمرها.
هذا البعد الواقعى هو ما يمنح «نرجس» ثقلها الدرامى الاستثنائى. الشخصية لا تقع فى الخانة البسيطة، لا هى الضحية، ولا هى الشريرة المطلقة. هى إنسانة تقف فى منطقة رمادية موجعة، مسحوقة اجتماعياً وفى الوقت ذاته مرتكبة لجرائم صادمة. وتلك المنطقة الرمادية تحديداً هى أصعب ما يمكن أن يكلَّف به ممثل.
سر الاختيار العبقرى لريهام عبدالغفور هو الوجه الملائكى الذى لم يكن عائقاً أمام الدور، بل هو القناع المثالى لشخصية تخفى شراً متراكماً خلف بسمة عادية. مَن يصدق أن هذا الوجه الهادئ يمكن أن يخطط لخطف طفل؟ هذا التناقض بين الظاهر والباطن هو لب الشخصية، وهو ما جعل الأداء يضرب بعمق فى وجدان المشاهد.
ما يلفت فى أداء «ريهام» لـ«نرجس» أنه أداء مقتصد بامتياز، فلا صراخ مزايد، لا انفعال مصطنع، لا استعراض تقنى يشعرك بأنها تذكرك بأنها تمثل، بل تعتمد على ثلاث أدوات صامتة: النظرة، والصمت، والجسد.
وثمة اختيار جمالى ودرامى فى آنٍ معاً يستحق الوقوف عنده، غياب المكياج شبه الكامل فى المشاهد. ليس تقشفاً ولا إهمالاً، بل بيان فنى. «نرجس» امرأة تعيش تحت ضغط نفسى هائل، فى بيئة قاسية، تحت وصمة اجتماعية ثقيلة. أى طبقة مكياج كانت ستضع حاجزاً بين الشخصية والمشاهد. «ريهام» فضلت الوجه الطبيعى «الخالى من الزينة»، لأنه الأصدق فى التعبير عن هذه الحالة الإنسانية، وهذا قرار لا تقدر عليه إلا ممثلة واثقة من أدواتها بما يكفى لتتخلى عن «الجمال» فى سبيل «الحقيقة».
أما مشهد ضياع ابنها، فقد كان درساً كاملاً فى الفرق بين «تمثيل دور الأم» و«أن تكونى أماً على الشاشة». اللهفة التى رأيناها لم تبن من تقنية، بل من حالة إنسانية عاشتها «ريهام» بالكامل وتركت المشاهد يصدق كل لحظة منها.
من الإنصاف ألا نعزل أداء «ريهام» عن سياقه الفنى الأشمل. «حكاية نرجس» عمل يدرك أن الممثل العظيم يحتاج إلى سيناريو يفتح له الأبواب لا يغلقها. كاتب السيناريو عمار صبرى كتب شخصية بطبقات متعددة وحقيقية، شخصية تملك تاريخاً يبرر تحولاتها ولا يكتفى بتصنيفها «شريرة» أو «ضحية». والمخرج سامح علاء أدرك قيمة ما بين يديه، فاختار كادرات قريبة من الوجه تلتقط أدق الانفعالات، وإضاءة خافتة تخدم المزاج النفسى القاتم للشخصية.
حين يجتمع سيناريو يكتب بعمق، وإخراج يعرف أين يضع الكاميرا، وممثلة تملك أدواتها وتجرؤ على المجازفة، يحدث ما لا تصنعه حملات التسويق ولا يبنيه تريند مصطنع، يحدث العمل الذى يذكر.
قبل «حكاية نرجس»، كانت الساحة مشغولة بمعارك المشاهدات وحروب التريند والجدل حول «من رقم واحد». وهو جدل يلقى بظلاله كل موسم على الدراما الجادة ويمنح أسماء لا تستحق الصدارة أضواء لا تستحقها. المقياس الوحيد للنجاح أصبح رقم المشاهدات، بصرف النظر عن القيمة الفنية، فى منطق يساوى بين الغث والسمين ويغرى بالسهل.
لكن حين انطلق «حكاية نرجس» حدث شىء لافت، تصدر اسم ريهام عبدالغفور التريند فى النصف الثانى من رمضان 2026، لكن ليس التريند الذى يُشترى أو يُصنع. كان التريند الذى يصنعه جمهور فاجأه عمل يستحق، فخرج من صمته ليتحدث ويحلل ويشير على الآخرين بالمتابعة. الجمهور الذى اعتاد الصراخ على منصات التواصل تحول إلى نقاد يفككون المشاهد ويتبادلون اللحظات الاستثنائية.
هكذا انتهى الصراع. لم يعلن انتهاؤه بسبب بيان النقابة أو «كسوف» الفنانين «النجوم» من صراعهم التافه على السوشيال ميديا. انتهى لأن الجميع كانوا مشغولين بمشاهدة مَن لا يحتاج إلى كتيبة من الآسيويين تخلق مشاهدات ليتصدر.
يعلمنا مشوارها أن التمثيل مشروع عمر لا لحظة حظ. بدأت من بيت فنى عريق لكنها لم تتكئ عليه، بل شقت طريقها بعناد صامت دوراً تلو الآخر. كل مغامرة خاضتها لم تكن صدفة أو استجابة لضغط منتج. كانت قطع فسيفساء تتجمع ببطء لتشكل صورة ممثلة تعرف تماماً إلى أين تسير.
ولقد تعلمنا أن البطولة الحقيقية تكمن فى عمق الشخصية لا فى مساحة الدور. «نرجس» ليست أضخم بطولة قُدمت هذا الموسم من حيث الإنتاج أو الدعاية، لكنها الأثقل وزناً وأبعدها صدى، لأن ثقل الشخصية حين يسنده أداء بهذا المستوى يفوق ثقل الميزانيات والتسويق مجتمعين.
مسلسل «نرجس» لن يُنسى بسرعة، ليس لأنها قدمت قضية اجتماعية حساسة فحسب، بل لأنها قدمت صوتاً لنساء كثيرات يعشن خلف الأبواب المغلقة وطأة وصمة العقم وقسوة المجتمع الذى يرى فى «عدم الإنجاب» نقصاً فى أنوثة المرأة. حين يكون الأداء بهذا العمق الإنسانى، يتجاوز الدراما ويصبح وثيقة اجتماعية.
وريهام عبدالغفور فى النصف الثانى من رمضان 2026 لم تقدم دوراً. قدمت علامة فارقة فى مسيرتها وفى تاريخ الدراما المصرية معاً. ربع قرن من البناء الصامت، ومن رفض الأدوار السهلة، ومن الجرأة على التحول، كل ذلك وجد مكانه فى «نرجس» وتجلى كاملاً أمام الملايين.