منة شلبي.. «حرباية تمثيل»

حاتم جمال

حاتم جمال

كاتب صحفي

وسط إبداعات مئات من نجوم مصر فى دراما رمضان، وما قدموه من أعمال مختلفة ومتنوعة، تخاطب العقل والوجدان برؤى عصرية للقضايا الآنية، لتشكل السلاح الأقوى الذى يسرى من المحيط للخليج كسريان الدم فى الشرايين وهو القوى الناعمة، وتؤكد قدرة المبدع المصرى على التفاعل مع مستجدات المجتمعات المصرية والعربية، توقفت كثيراً أمام تجسيد الفنانة منة شلبى لدور «الدكتورة سلمى» فى مسلسل «صحاب الأرض»، الذى عُرض فى النصف الأول من الشهر الكريم، ولاقى ردود فعل تجاوزت حدود المكان، وأعتقد أنه سيتجاوز حدود الزمان أيضاً، فهى قضية الحق أمام الباطل، قضية الإنسانية بشكل عام.

لم يكن إبداع منة شلبى فى تجسيد الشخصية يعتمد على الشكل الخارجى كما قال برخت، أو إظهار المكنون الداخلى من مشاعر وأحاسيس كما قال «ستانسلافسكى»، بل تعدى هذا ليجعلها شخصية من لحم ودم، شخصية تفرح لفرحها وتبكى لبكائها تترقب وتتوتر لتوترها تتأثر بكل حركة تقوم بها. «منة» اعتمدت على صدق التعبير والمشاعر، للدرجة التى نقلت لك أحاسيسها الداخلية من خوف يصل للرعب وقلق وتوتر دائم، لا تعرف ما ينتظر رحلتها فى غزة مع «ناصر» فى مشوار علاج ابن شقيقه المتبقى من عائلته بعد قصف البيت، ففى عدد كبير من المشاهد نجد مجموعة «ريأكشنات» على وجهها، مثل مشهد دخول الطفل غرفة العمليات التى قُصفت وهى تخرج وسط الركام بالذهول والخوف على الطفل وعدم القدرة على استيعاب ما يحدث فى تعبير واحد، نفس الأمر تكرر فى رحلة البحث عن الجهاز وقصف المنطقة والاحتماء بين الجدران نجد «ريأكشنات» القلق والتوتر والخوف فى نفس اللحظة، على عكس مشاعر الفرح الممزوجة بالحزن فى فرح المسعف، وهو مختلف تماماً عن «ريأكشنها» مع ناصر عندما شاهدت المستشفى مدمراً وقاما بالبحث فيه عن أى أدوات تصلح لاستخدامها فى إنقاذ المرضى والهرب من المسيرة الإسرائيلية التى تبحث عن أحياء، لحظات قاسية تصاعدت فيها الأحداث ليأتى سؤال ناصر عن ابنها، وهنا نجد «ريأكشان» مغايراً لاستدعاء الماضى يظهر على ملامحها وهى تقول له «راح عند ربنا» بقوة مصطنعة سرعان ما انهارت، وغيرها من الريأكشنات التى تعبر عن حالات مختلفة، جعلت المشاهد يتوحد معها واستطاعت «منة» من خلال تلك المشاهد أن تخلق لنا نسيجاً لشخصية تعيش صراعاً مع ما عاشته من معاناة أهل غزة وسط الدمار والقصف الدائم وبين مشاعرها كطبيبة تشعر بالعجز أحياناً تجاه إنقاذ المصابين، ورغم ذلك لم تتخل عن دعمها ومساندتها لوصول الطفلين إلى بر الأمان مصر، بأداء سلس دون تكلف أو تعقيد، فهى كممثلة أجادت فى استخدام أدواتها لتوصيل كل هذه الأحاسيس. هذه الأحاسيس نقلت الشكل الداخلى للشخصية والتى جسدتها ببراعة تحسب لها، ساعدها الشكل الخارجى لتطور شكل الطبيبة وملابسها مع بداية الذهاب لغزة، مروراً بالأحداث وعدم وجود أى موارد أساسية للعيش، من مياه وطعام ومسكن فى المخيمات وبين الأنقاض، بعد أن تم قصف المستشفى الذى تعمل به، فجاء الشكل ملتصقاً مع الحدث والمكان.

ما قامت به منة فى المسلسل توصيف دقيق للعلاقة بين المواطنين المصريين وأهل غزة بلا تزييف، ويظهر التصاق الشعب المصرى قادة وشعباً مع القضية العادلة وتقديم الدعم الكامل لهم أو بالبلدى «إظهار جدعنة المصرى فى المواقف الصعبة تجاه أشقائه»، ودورها يعكس ما قام به مئات الأطباء والمسعفين المصريين فى غزة. لم يكن إبداع «منة» من فراغ فقد ساعدها على التميز أنها جزء من فريق عمل متكامل بقيادة المخرج بيتر ميمى ونجوم العمل من أصغر فنان إلى كل نجومه. «منة» وصلت لقمة النضج الفنى فى هذا العمل، وكأنه رأس الهرم من أعمال متنوعة فى مشوارها الفنى، سبقه العديد من الأعمال التى تألقت فيها ببراعة منذ أول ظهور تليفزيونى لها «سلمى يا سلامة وحديث الصباح والمساء» مع بداية الألفية، فطوال 26 عاماً كانت تنتقى الأدوار الدرامية التى تقتحم فيها الأسرة المصرية، فتألقت فى «أين قلبى ولدواعى أمنية والبنات وسكة الهلالى وحرب الجواسيس والجماعة ونيران صديقة وحارة اليهود وواحة الغروب»، وفى كل هذه الأعمال لا توجد شخصية مثل الأخرى، ليكون التنوع سمتها فى الانتقاء.

«منة» نموذج لمبدعات مصر فى الأعمال الدرامية، اعتمدت على موهبتها الفطرية لتطوير أدائها الفنى من عمل لآخر، وتعلمت الكثير من النجوم الكبار أمثال كمال الشناوى ومحمود عبدالعزيز ونور الشريف ويحيى الفخرانى، الذين شاركتهم فى أعمالهم، واستفادت من العمل مع كبار المخرجين فى مصر، وأذكر فى أحد حواراتى معها أنها كانت تتمنى أن تصبح «حرباية تمثيل» تتلون بتلون الشخصية، وهو ما وصلت إليه من إتقان تجسيد الشخصيات التى تقوم بها.