جمال الليثي: أنقذت فنانة القمة شادية من دور «دلوعة السينما»

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

وما زلنا مع ذكريات جمال الليثي عن مبدعي السينما المصرية، وحكي لي عن ذكرياته مع الفنانة الكبيرة شادية واصفاً إياها قائلاً: «كانت فنانة القمة شادية، تتمتع بمكانة خاصة في السينما وأفلام السينما المصرية، الفتاة البريئة، الشقية، الطيبة التي تجبر كل من يشاهدها على الشاشة أن يحبها.. ومنذ بدأت لأول مرة كوافدة جديدة على الشاشة أمام المطرب الكبير محمد فوزي في فيلم «العقل في إجازة»، بدأت شخصيتها السينمائية تتبلور وتحكمها موهبتها الغنائية وصوتها المرح الطروب، وشخصيتها الشقية في سذاجة مرحة فيما توالي من أفلام.. حملت لقب دلوعة السينما» بأغانيها المرحة التي تتواري أمام حلاوتها، كل أغاني الفيديو كليب السائدة الآن خجلاً، ولم توجد فتاة عربية -أو حتى في مصر- لم تردد أغاني «الدلوعة شادية مثل أحبك.. أحبك وأغني لحبك» أو يا دبلة الخطوبة.. عقبالنا كلنا» أو «ألو ألو إحنا هنا.. ونجحنا أهو في المدرسة - التي شاركت معها في غنائها فاتن حمامة في فيلم موعد مع الحياة - أو مكسوفة.. مكسوفة منك.. مش قادرة أقول لك إني بحبك».
كانت فاطمة شكري - وهذا اسم شادية الحقيقي - قد نجحت في أن تحتل مكاناً فريداً مميزاً على الشاشة.. البنت الدلوعة الطيبة التي توقعها طيبتها وسذاجتها في مطبات يساعدها في الخروج منها مجموعة طيبة أكثر سذاجة، مثل إسماعيل يس وعبدالسلام النابلسي وعبدالمنعم إبراهيم، بل وشاركت النجم كمال الشناوي في دويتو سينمائي ناجح بل ودويتو غنائي في أغنية «الحب أحلي من العسل».
المرأة المجهولة.. تحول للدراما
وعندما قدمها المخرج حسين رمزي بطلة لفيلم المرأة المجهولة مع شكري سرحان وعماد حمدي، وكانت تلعب في الفيلم دور فتاة تعيسة الحظ أخطأت وتركت ثمرة خطيئتها ولداً تربي في بيئة مختلفة تماماً، وكانت تعاشر رجلاً يعرف سرها، ويهددها بكشفه ويبتزها بأن يكشف السر لولدها، وتقتله ويقبَض عليها وتطبق شفتيها وتصوم عن الكلام، وتصل الدراما قمتها عندما تكلف المحكمة محامياً شاباً يتولي الدفاع عنها، كان هو ابنها الذي قتلت لكي تصون سره.. كانت «شادية» هي المرأة المجهولة قد عاشت مراحل العمر كلها من فتاة شابة إلى امرأة عجوزة، وأثارت الإعجاب بأدائها، لكن الجميع عبروا على المرأة المجهولة عبوراً، فقد عادت شادية إلى ثياب دلوعة السينما بكل مقوماتها المرحة الساذجة.
نور... بنت ليل عاشقة لا تغني
وكما حكي لي جمال الليثي قائلاً: «ربما كنت من القلائل الذين توقفوا طويلاً وبإمعان أمام أداء فنانة القمة شادية في فيلم المرأة المجهولة».. أحسست بأن لديها طاقة هائلة كممثلة درامية، ولاحظت أن أحداً لا يحاول أن يستغل هذه الطاقة أو ينزع عنها ثوب الدلوعة في السينما».. وبعد أن أصبح سيناريو فيلم «اللص والكلاب» جاهزاً للإنتاج، واجتمعت مع كمال الشيخ لكي نناقش عملية اختيار نجوم الأدوار الرئيسية في الفيلم، وفجأة اقترحت أن نعطي دور «نور»، بنت الليل المحبة للص وتؤويه في حجرتها وسط المدافن في رحلة بحث عن الانتقال للفنانة الكبيرة شادية.. وظهر التردد على وجه كمال الشيخ.. وقال إنه يخشي ألا يتقبل الجمهور «شادية» كبطلة للفيلم لأنها تكتفي بالتمثيل فقط ولا تغني أياً من أغنياتها، ثم إن «شادية» نفسها لم تكن قد مارست مواجهة الجماهير في فيلم لا تقدم فيه بعض أغانيها، وقلت لكمال الشيخ: دع مخاوفك جانباً.. ودع لي مهمة إقناع شادية».. وعندما حانت لحظة عرض دور «نور» على شادية، فكرت في أن اكتفاءها بالتمثيل دون الغناء فكرة جيدة تستحق التجربة، لكن المشكلة في طبيعة الدور كبنت ليل تمارس بيع الهوي، وقد تسيء إليها عند جماهيرها.. قبلت بالمبدأ وتركت لكمال الشيخ شرح البعد الفلسفي والرمزي لشخصية «نور» عند نجيب محفوظ، ونجح «كمال» في أن يعمق لها الرمز الذي أعطاه نجيب محفوظ للشخصية.. وقبلت شادية وكان اللص والكلاب» أول نجاح لشادية كممثلة لا كمطربة.. وأصبح من السهل أن تعايش فكرة الأدوار التي لا تتطلب الغناء.
كريمة.. المحرضة على الجريمة
وكما حكي لي جمال الليثي، فقد فتح صفحات التعاون بينه وبين فنانة القمة شادية.. وقدمت معه أفضل فيلم كوميدي في تراث السينما المصرية فيلم «الزوجة ۱۳» بطولة رشدي أباظة ومن إخراج فطين عبدالوهاب، ثم فيلم «كرامة زوجتي» الذي جمع فيه جمال الليثي بين زوجيها عماد حمدي وصديقه وزميله صلاح ذو الفقار.
وعندما تم تعيين جمال الليثي رئيساً لشركة القاهرة - إحدي شركات القطاع السينمائي العام - كان المنتج سعيد الدفراوي قد اشتري حق إنتاج قصة الروائي العالمي نجيب محفوظ «الطريق» للسينما.. وتعاقد مع المخرج حسام الدين مصطفي لإخراجها والمخرج السيناريست حسين حلمي المهندس لكي يكتب لها السيناريو والحوار، وتم اختيار نجوم الفيلم، على أن تلعب دور البطولة ناهد شريف وكانت أيامها زوجة لحسين حلمي المهندس، والراقصة نعمت مختار لدور زوجة صاحب الفندق العجوز التي تدفع بطل نجيب محفوظ، بعد أن سيطرت عليه جنسياً إلى التخلص من زوجها، وبرلنتي عبدالحميد لتلعب دور بسيمة عمران، صاحبة البيت المشبوه التي تحاكم وتسجن وتعطي البطل صورة أبيه لكي يبدأ رحلة البحث عنه.
وكما روي لي جمال الليثي، كان هذا منطق القطاع الخاص لإنتاج فيلم محدود الميزانية، وبعد أن قرأ السيناريو عندما تنازل سعيد الدفراوي عن إنتاج «الطريق» للقطاع العام واكتفي بدور المنتج المنفذ، استدعي جمال الليثي المخرج حسام الدين مصطفي وقال له: «لقد أعددت لك مفاجأة.. وهي إعادة توزيع الأدوار الرئيسية في «الطريق» على مجموعة من كبار النجوم، تجعل منه فيلماً ضخم الإنتاج يليق بسمعة القطاع السينمائي للدولة وكباكورة إنتاج لشركة القاهرة التي أرأسها».
وفتح حسام الدين مصطفي فمه من الدهشة وهو يسمع ترشيحاته للأدوار.
شادية بدلاً من الراقصة نعمت مختار.
ورشدي أباظة بطلاً أمام شادية.
وسعاد حسني بدلاً من ناهد شريف.
وتحية كاريوكا بدلاً من برلنتي عبدالحميد.
وكان بالفعل قد قطع مرحلة التفاوض والتعاقد مع المجموعة التي مثلت بالفعل الأدوار في فيلم «الطريق».
وكما روي لي جمال الليثي، فقد ساعدته تجربته الأولي في إقناع شادية بدور «نور» في «اللص والكلاب» دون أن تغني في أن تقبل دور «كريمة»، المرأة التي تعتمد على إغراء الجسد، لكي تدفع العشيق رشدي أباظة إلى قتل زوجها العجوز للخلاص منه.. وبالطبع لم تكن شادية في هذا الدور مطربة.
وفي أثناء تصوير الفيلم، جاءه الموزع السينمائي اللبناني كمال قعوار، أكبر موزعي الأفلام المصرية في بيروت والمنطقة العربية لكي يتعاقد معي على توزيع فيلم «الطريق» وعندما سأله كم أغنية تغني شادية في الفيلم، أخبره بأن شادية لا تغني أية أغنية في الفيلم، وتكتفي فقط بالتمثيل.. رفض أن يكمل التفاوض على توزيع الفيلم قائلاً: إذا كانت شادية ما يتغني في الفيلم فلن أوزعه.
على أن نجاح «الطريق» غير المسبوق في عرضه الأول بثلاث من دور العرض الرئيسية في القاهرة، أجبر كمال قعوار على شراء حقوق توزيعه متنازلاً عن أغاني شادية.
وقد صعد الفيلمان «اللص والكلاب» و«الطريق» بشادية إلى القمة كممثلة، فتألقت بعدها في فيلم «مراتي مدير عام» وسواه، ما أكد قدرتها كممثلة درامية موهوبة.