«نرجس» بين الشفقة والرهبة
عمل آخر يبرهن على أن «الفن مش رسالة» هو مسلسل «حكاية نرجس»، الذي يركز على الوصول إلى هدف واحد هو «التأثير الفني» الذي يتركه في المشاهد. ومن خلال هذا التأثير، وحده، يمكن لكل مشاهد أن يحلل، ويفسر، ويفهم مضمون العمل وفقاً لنوع ومدي هذا التأثير عليه.
كانت الممثلة القديرة سلوي محمد على هي من كتبت عدة «بوستات» على صفحتها على الفيس بوك منذ عدة أشهر تشكك في المقولة الرائجة بأن الفن رسالة، وقد تعرضت بسبب ذلك إلى كثير من السفسطة الفارغة ورذاذ الجهل، من قبَل بعض الذين يحفظون ولا يفهمون. وأيامها خطر ببالي أن معظم الذين يرددون كالببغاوات مقولة أن الفن رسالة محدودو الاستيعاب والقدرة على التفكير المستقل، لدرجة أنهم يحتاجون إلى محتوي واضح مباشر وعظي وسلطوي، حتى يفهموه أولاً، ويقدموا له فروض الطاعة ثانياً.
الأعمال الفنية الجيدة، مثل «حكاية نرجس»، هي التي تثير الانفعالات المختلفة والإحساس بالجمال داخل المتفرج، سواء كانت تحمل مضموناً يمكن وصفه بأنه «رسالة» (أي عبرة أو حكمة أو مغزى أو رأي في مسألة أو قضية عامة)، أو يصعب أو يستحيل وصفه (كما في حالة الموسيقي والفن التشكيلي، خاصة التجريدي).
وقد يكون هذا التأثير مبهجاً، كما في حالة الكوميديا، أو كئيباً في حالة التراجيديا، مثلما هو الحال مع «نرجس». ومنذ ألفي ونصف ألف عام تقريباً حدد أرسطو في كتابه «فن الشعر» التأثير الذي تخلفه التراجيديا بأنه مزيج من شعوري «الشفقة والرهبة». الشفقة على البطل المأساوي والرهبة من المصير المرعب والمؤلم الذي ينتظره. وهذا هو بالفعل ما يثيره فينا «حكاية نرجس» وبطلته المأساوية.
وبمناسبة أرسطو، أعتقد أن الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم هو الذي نقد نظرية السببية التي قال بها أرسطو، قائلاً بأن النهار يبدأ بالتزامن مع شروق الشمس، وليس معني ذلك أن الشمس هي التي تسبب وجود النهار.
الشمس تشيع الضوء لأن هذه طبيعتها، وليس لأنها تريد أن تصنع الليل والنهار أو تساعد البشر على الحياة.
والفن مهم ولا غني عنه، مثل الشمس، التي يمكن أن ينتج عن حرارتها إنقاذ حياة إنسان يموت من البرد، أو ينتج عنها موت إنسان آخر بضربة شمس، وفي الحالتين هي لا تقصد ذلك. والعمل الفني قد يفيد فرداً أو مجتمعاً بشكلٍ مباشر: ربما يخرج متفرج من «حكاية نرجس» بدرس في ضرورة الانتباه إلى الأطفال حتى لا يتعرضوا للخطف، أو بأن الشر «آخرته وحشة»، أو بضرورة تعديل قوانين التبني التي تتسبب في بؤس الآلاف من الأمهات والآباء المحرومين من الإنجاب والأطفال الذين يحتاجون إلى عائلة.
وكل ذلك جميل، ولكنه ثمرة طبيعية للأعمال الفنية الجيدة وليس هدفها أو مقصدها، فالشمس لا تشرق لرسالة، والزهور لا تنبت بألوانها الجميلة ورائحتها الزكية من أجل رسالة، سعادتك!
إن ما ينجح فيه «حكاية نرجس»، بداية بالنص الذي يخلو من الرطانة الفارغة والجمل الرنانة التي تعبئ أجواء معظم المسلسلات بأصوات بلا طحين ودخان بلا نار، ثم من خلال الأداء التمثيلي الذي يقترب من باطن الشخصيات ولا يكتفي بشكلها الخارجي، والتصوير الذي يكاد يجعلنا نشعر بلمس الحيطان الكالحة والغبار على السجاد والمقاعد والفتحات القبيحة في شعر نرجس، وهو تصوير لم يكن له أن يكون على هذه الجودة دون الاختيار المناسب لأماكن التصوير سواء الداخلي أو الخارجي، ثم هذا الايقاع البطيء والحاد للمونتاج، الذي يشيع الشفقة والرهبة في حد ذاته، والموسيقي المصاحبة له، تتبع خطواته، وهي موسيقي تذكّر بأفلام رعب هيتشكوك ولكن على الايقاع الشعبي الجنائزي، الذي يذكر ببعض أعمال فؤاد الظاهري.
كل هذه العناصر (ومنها ما لم يتسع المقال لذكره) تتفاعل وتتناغم وتتصارع معاً لتحقيق الهدف الأسمي، وهو إثارة الشفقة والرهبة.
أما الرسالة فيمكن لحضرتك البحث عنها في مكتب البريد!