مشاهد من شاشة رمضان

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

مع اقتراب أذان المغرب في ليالي رمضان، يتكرر المشهد الذي عرفه المصريون لسنوات طويلة: أسرة تلتف حول مائدة الإفطار، وعيون تذهب بعد دقائق إلى شاشة التليفزيون بحثاً عن تلك الحالة الرمضانية التي صنعتها الدراما والأغنيات والفوازير عبر عقود.
لم تكن الشاشة يوماً مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت جزءاً من طقوس الشهر الكريم، تصنع ذكريات مشتركة بين أجيال كاملة.
ولهذا يصبح أي اقتراب من روح تلك الأيام، ولو عبر لمسة فنية بسيطة أو أغنية تحمل دفء الماضي، محاولة لاستعادة شيء من ملامح الزمن الجميل الذي ما زال يسكن وجدان المشاهد المصري.
ليالي رمضان لم تكن يوماً مجرد ساعات تليفزيونية عابرة، بل كانت حالة كاملة يعيشها المصريون؛ تبدأ مع صوت المدفع ثم إلى شاشة التليفزيون التي كانت لسنوات طويلة أحد أهم طقوس الشهر الكريم، إلى جانب كونها صانعة لذكريات مشتركة بين أجيال متعاقبة، صنعتها الأغنيات الرمضانية، والفوازير، والمسلسلات التي تحولت مع الوقت إلى جزء من وجدان المصريين.
ولهذا تبدو العودة إلى تلك الروح، حتى ولو عبر لمسات صغيرة، محاولة مهمة لاستعادة الدفء الذي ارتبط برمضان في ذاكرة المشاهد.
رمضان على شاشة «المتحدة» هذا العام يحمل شيئاً من رائحة الزمن الجميل.. ليس فقط من خلال الدراما، بل أيضاً عبر التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحالة الرمضانية الخاصة التي ارتبط بها المشاهد المصري لعقود طويلة.
من بين هذه اللمسات أغنية «رمضان هنا حلاوته زيادة» التي جاءت كأنها رسالة محبة من زمن آخر، من جيل شاب معه شنطة ذكريات عبر أغنية تحمل روح البساطة والدفء، وتعيدنا إلى مشهد الأسرة المصرية وهي تلتف حول مائدة الإفطار، ثم حول شاشة التليفزيون في ليالي الشهر الكريم.
اللافت في الأغنية ليس فقط اللحن الدافئ أو الكلمات التي تترجم مفردات رمضان ومعانيه، بل أيضاً السيناريو البصري المصاحب لها، الذي اعتمد على مشاهد عائلية قريبة من وجدان الناس، وكأن العمل يقول ببساطة إن رمضان الحقيقي يسكن في تفاصيل البيت المصري: اللمة، والضحكة، وصوت الأذان، ولمّة العائلة.
الأغنية جاءت بصوت الثلاثي الشاب محمد تامر، وحور تامر، وماسة تامر، وهم وجوه عرفها الجمهور من خلال منصات السوشيال ميديا، قبل أن تنتقل تجربتهم إلى شاشة التليفزيون. ورغم حداثة ظهورهم الإعلامي، فإن الأداء جاء صادقاً وبسيطاً، وهو ما منح الأغنية طابعها الإنساني القريب من القلب.
أما الإخراج الذي تولاه وليد محمود فجاء هادئاً، دون مبالغة في الصورة أو الزخرفة البصرية، معتمداً على بساطة المشهد ودفء الحالة، وهو اختيار ذكي يتناسب مع روح الأغنية ومع فكرة استدعاء زمن العائلة والدفء الرمضاني.
هذه اللمسة ليست الوحيدة في خريطة شاشة «المتحدة» خلال الشهر الكريم. فهناك أيضاً برنامج «حياة كريمة» الذي يذهب بالكاميرا إلى الناس البسطاء، الباحثين عن فرصة أو دعم أو بصيص أمل. البرنامج في جوهره لا يقدم مجرد حكايات إنسانية، بل يسلط الضوء على نماذج من الكفاح والعمل في حياة المصريين، وكأنه يذكرنا بأن رمضان ليس فقط شهر الدراما والترفيه، بل أيضاً شهر الرحمة والتكافل.
ومن بين التفاصيل التي تستحق التوقف عندها كذلك الفواصل التي اختارتها الشاشة هذا العام. فقد جاء تقديم أسماء الله الحسني بصوت الموسيقار الكبير سيد مكاوي كنوع من إعادة اكتشاف كنوز الإبداع القديم، لكن بتنفيذ بصري جديد يليق بروح العصر.
وفي فواصل أخرى، استعادت الشاشة مجموعة من العلامات الرمضانية التي عاشت في وجدان أجيال كاملة؛ من المسحراتي إلى أغنية «أهلاً رمضان»، مروراً بمشاهد من «ليالي الحلمية» ولقطات من فوازير نيللي وفطوطة، وحتى شخصية شريهان التي ظلت لسنوات جزءاً من ذاكرة المشاهد.
هذه الفواصل ليست مجرد مواد أرشيفية، بل هي محاولة ذكية لإعادة وصل الحاضر بالماضي، وإحياء ذاكرة المشاهد الذي ارتبط وجدانه بهذه الأعمال.
هنا يمكن القول إن شاشة «المتحدة» في رمضان لا تراهن فقط على الدراما، بل تحاول أيضاً استعادة الحالة الرمضانية بكل مكوناتها: أغنية دافئة، وبرنامج إنساني، ولمحات من التراث الفني الذي شكل وجدان المصريين.
وربما هذه هي المعادلة الأصعب.. أن تقدم الجديد، دون أن تفقد روح الزمن الجميل.
ربما لا يمكن استنساخ الزمن الجميل كما كان، فلكل عصر إيقاعه وأدواته، لكن يمكن دائماً استعادة روحه.
وما تقدمه شاشة «المتحدة» هذا العام يوحي بمحاولة واعية لتحقيق هذه المعادلة الصعبة: أن يظل الحاضر حاضراً بكل أدواته الحديثة، دون أن ينقطع الخيط الرفيع الذي يربطه بذاكرة المشاهد وحنينه إلى تلك الأيام التي كان فيها رمضان موسماً للبهجة والدفء الإنساني قبل أي شيء آخر.
ففي النهاية، ما يبقى في ذاكرة الناس ليس فقط ما يُعرض على الشاشة، بل الإحساس الذي يتركه في قلوبهم.. والإحساس الحقيقي برمضان يظل دائماً أقرب ما يكون إلى روح الزمن الجميل.