مصر في ظهر الأشقاء
خرج الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، ليؤسس لموقف مصري واضح وحاسم من التصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة، وحملت كلمته في طياتها رؤية شاملة لأبعاد الأزمة الحالية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، والتي وصفها بدقة بأنها تقف على «مفترق طرق تاريخي».
جاء التأكيد المصرى على لسان الرئيس بـ«إدانة الاعتداءات التى تتعرض لها الدول العربية الشقيقة» ليؤكد موقفاً واضحاً فى التعامل مع الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من الجانب الآخر.
هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، لكنه استند إلى قناعة راسخة بأن أمن الخليج العربى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى.
وهنا يجب الإشارة إلى اتصال الرئيس السيسى هاتفياً بالرئيس الإيرانى -قبل أيام- وأكد رفض وإدانة مصر القاطعة لاستهداف إيران للدول العربية الشقيقة.
اللافت فى خطاب الرئيس السيسى إبرازه لحقيقة مهمة فى سياق الصراع الحالى، وهى أن الدول العربية المستهدفة لم تكن طرفاً فى الحرب الدائرة، بل على العكس، سعت إلى التهدئة ودعمت مسار التفاوض.
هذا الطرح يحمل رسالة ضمنية بأن استمرار الاستهداف لهذه الدول يفتقر إلى أى مبرر سياسى أو عسكرى، ويضع المنطقة على حافة الهاوية.
لم يكتفِ الرئيس السيسى بالإدانة فقط، وانتقل إلى تقديم رؤية متكاملة لإدارة الأزمة، تقوم على خفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والعقل، والالتزام بأحكام القانون الدولى العام والقانون الإنسانى الدولى.
هذه الدعوة تعكس قناعة مصرية عميقة بأن المنطقة لن تتحمل المزيد من الحروب والصراعات، خاصة فى ظل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التى وصفها السيسى بأنها «جسيمة» و«لا يستطيع أحد تلافيها».
الرئيس كان صريحاً فى تحذيره من أن انعكاسات الحرب ستطال الجميع دون استثناء، ولا يمكن لأى دولة، مهما كانت قوتها، أن تعزل نفسها عن تداعيات صراع كبير فى منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط. هذا التحذير يؤكد أن الدعوة المصرية للتهدئة ليست مجرد مناشدة أخلاقية، لكنها ضرورة وجودية تمس مصالح جميع الأطراف.
يمكننا قراءة خطاب الرئيس السيسى فى إفطار الأسرة المصرية على أنه إعادة تموضع لمصر فى خريطة الأمن الإقليمى، فالتأكيد على دعم الأشقاء العرب، والاستعداد للوساطة وبذل كل الجهود لتهدئة الأوضاع، يؤكد أن مصر تمثل ركيزة أساسية للاستقرار فى المنطقة.
الرسالة موجَّهة لعدة أطراف فى وقت واحد، للدول العربية الشقيقة بأن مصر حاضنة لأمنها وداعمة لاستقرارها، ولإيران بأن سياسة التصعيد وتهديد الجيران مرفوضة بمنتهى الحسم والوضوح، وموجهة أيضاً للداخل المصرى بأن الدولة تبذل قصارى جهدها لحماية الأمن القومى رغم صعوبة التحديات.
خطاب الرئيس السيسى فى حفل إفطار الأسرة المصرية هذا العام، تحول من مناسبة اجتماعية إلى وثيقة سياسية تحدد ملامح المرحلة، وتؤكد أن مصر، بثقلها التاريخى والجيوستراتيجى، ستظل دائماً وأبداً فى ظهر الأشقاء العرب، وحجر الزاوية فى أى معادلة سياسية وأمنية مستقبلية فى المنطقة.