معركة «الإسلام وأصول الحكم»... قديم متجدد (4)
تناولت فى مقال الأمس رد الشيخ محمد بخيت المطيعى، الذى كان يتولى منصب مفتى الديار المصرية، على كتاب على عبدالرازق. وقد امتدت ردود الأفعال من العلماء والمشايخ إلى الساسة، وباتت أحد مظاهر الصراع بين حزبى «الوفد» و«الأحرار الدستوريين»، ولهذا قال الزعيم سعد زغلول حين سئل عن رأيه فى الكتاب: «لقد قرأته بإمعان لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطأ والصواب فعجبت أولاً كيف يكتب عالم دينى بهذا الأسلوب فى مثل هذا الموضوع؟ وقد قرأت كثيراً للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم فى الإسلام حدة كهذه الحدة فى التعبير على نحو ما كتب الشيخ على عبدالرازق».
لكن عباس العقاد، الذى كان فى هذه الآونة كاتب الوفد الأول، خالف زغلول جزئياً، من خلال دفاعه المستميت عن حرية التفكير والتعبير، فكتبت مقالاً هاجم فيه ما أسماها «روح الاستبداد فى القوانين والآراء» ودعا إلى احترام حرمة الفكر وعدم إغفال ما للباحثين من حقوق.
وكان العقاد واحداً من أغلب أصوات الوفد التى وقفت موقفاً مشرفاً، وسجلت صفحة مشرفة فى تاريخ الحركة الثقافية والسياسية فى تلك الآونة. فرغم «العداء الشديد، والصراع الحزبى، الذى كان بين الوفد وبين الأحرار الدستوريين، الذين ينتمى إليهم على عبدالرازق، ويُحسب عليهم، إلا أن أغلب الأصوات التى ارتفعت فى صحافة الوفد يومئذ قد وقفت إلى جوار الانتصار لحرية الرأى وحق عبدالرازق فى التفكير والتعبير، ولقد رأوا فى محاكمته والحكم عليه مسألة سياسية نسجت خيوطها أصابع السراى، التى تعبث بالدستور، لا مسألة دينية، كما حاول أن يصورها الذين أيدوا المحاكمة، وما ترتب عليها من إجراءات».
أما طه حسين فقد دافع عن عبدالرازق دفاعاً مستميتاً ظاهراً، قائلاً: «لقد تألب رجال فى الأزهر، والأزهر شىء والدين شىء آخر، على الرجل فأخرجوه من زمرتهم. أفليس هذا خليقاً بأن يهنأ به على؟ بلى، وماذا يضر علياً أن يخرج من زمرة علماء الأزهر، وماذا ينفع علياً أن يبقى فى زمرة علماء الأزهر؟.. إيه أيها الطريد من الأزهر، تعال نتحدث ضاحكين عن هذه القصة المضحكة، قصة كتابك والحكم عليه وعليك وطردك من الأزهر، ما بال رجال الأزهر لم يقضوا على كتابك بالتحريق، وقد كان يلزمنا أن نرى نسخة تجمع فى صحن الأزهر أو أمام باب المزينين. دعنا نتحدث فى حرية، ولا تكن أزهرياً فقد أُخرجت من الأزهر، نعم سنضحك منك ومن كتابك، وسنضحك من الأزهر ومن الذين أخرجوك منه، ماذا قلت فى هذا الكتاب؟ قلت إن الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام، فهلا أكملت البحث وأتممت النظرية، فالخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام وإنما هى أصل من أصول الفقه الرومانى... سترى أن الخلافة عند المسلمين ليست إلا مناصب الإمبراطورية الرومانية وأن الخليفة ليس إلا إمبراطوراً، وأن مناصب الحكم عند المسلمين ليست إلا مناصب الحكم عند الرومانيين. تعال نضحك فقد كان كتابك مصدراً لتغيير الأرثوذكسية فى الإسلام، ولست أنت الذى غيَّرها أيها الطريد المسكين، وإنما غيَّرها الذين طردوك وخرَّجوك من الأزهر.
وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة ومستقر الأرثوذكسية الإسلامية. ثم ما هذه الهيئة التى أخرجتك من الأزهر وما سلطتها الدينية؟ هى أثر من آثار الاستبداد أنشأها عباس يوم كان يريد أن يستهوى، ويوم كان يريد أن يكيد، وهى أثر من آثار الاستبداد لا يليق بعصر فؤاد مصدر الدستور».
وهناك اتجاه إن كان أصحابه قد رفضوا الكتاب وما فيه، إلا أنهم لم يذهبوا إلى تكفير صاحبه، ليضربوا مثلاً فى النقاش العلمى الجاد الهادئ والجدير بالاحترام والتقدير، وهو ما يدعو إليه القرآن الكريم، الذى عرض بكل ثقة آراء المخالفين للإسلام فى العقيدة والنبوة، وبيّن لنا كيف أن الله سبحانه وتعالى حاور إبليس نفسه.
وأول هؤلاء هو الفقيه التونسى الكبير الطاهر بن عاشور، الذى رفض ادعاء عبدالرازق أن مصدر شرعية الخليفة يستمدها من الله، وقال: «لم يقل أحد من علماء المسلمين أن الخليفة يستمد قوته من الله تعالى، إنما أطبقت كلمتهم على أن الخلافة لا تنعقد إلا بأحد أمرين، إما البيعة من أهل الحل والعقد من الأمة، وإما العهد لمن بايعته الأمة لمن يراه صالحاً. ولا يخفى أن كلا الطريقين راجع للأمة، لأن وكيل الوكيل وكيل، فإذا بويع فقد وجب له ما جعله الله من الحقوق التى هى القوة المبينة فى شرع الله تعالى، لأن الله حدد قوة الخليفة، وجعلها لخدمة مصلحة الأمة، وجعل اختيار ولى أمرها بيد الأمة، ولم يقل أحد أنه يستمد من الله تعالى، بوحى ولا باتصال روحانى، ولا بعصمة. ولا خلاف أن حكم الخليفة حكم الوكيل، إلا فى امتناع العزل، بدون سبب من الأسباب المبينة، فى مواضعها من كتب الفقه وأصول الدين».
ووصف ابن عاشور ما ذهب إليه عبدالرازق من أن الخلافة لم يأتِ عليها دليل فى القرآن والسنة، بأنه قول يشبه أفكار الخوارج، لأن الأدلة الشرعية غير منحصرة فى الكتاب والسنة، ولكنها تمتد إلى الإجماع والتواتر وتظاهر الظواهر الشرعية، وهى «دلائل تربو على دلالة الكتاب والسنة إن كانت ظنية، وقد تواتر بعث النبى صلى الله عليه وسلم، الأمراء والقضاة للبلاد النائية، وأمر بالسمع والطاعة، بل وأمر القرآن بذلك أيضاً، فحصل من مجموع ذلك ما أوجب إجماع الأمة من عهد الصحابة رضى الله عنهم، على إقامة الخليفة بعد وفاة الرسول»، وأن الاقتصار على القرآن والسنة لا يقيم الدين الإسلامى، وأن الإجماع أصل لا يمكن تجاوزه أو نكرانه: «والإجماع الذى ثبتت به مشروعية الإمامة العظمى، هو الإجماع المنعقد عن دليل ضرورى من الشرع، وهو الذى يعبرون عنه تارة بالإجماع، وتارة بالمعلوم ضرورة»، وبذا تبقى آراء عبدالرازق، فى نظر ابن عاشور، مردود عليها من التاريخ والحديث والفقه.
ويذهب ابن عاشور إلى أن دفع عبدالرازق بأن الخلافة أقيمت بالقوة، لا يعنى أنها ليست أصلاً، ويقول هنا: «نعم لا ننكر أن من الأمراء، من استعمل القوة لنوال الإمارة، إلا أن ذلك لا يقدح فى ماهية الخلافة، لأن العوارض التى تعرض للشىء فى بعض الأوقات لا تقضى على الأصل بالبطلان». ثم ينتهى ابن عاشور مدافعاً دفاعاً مستميتاً عن الخلافة ليقر بأنها «عبارة عن حكومة الأمة الإسلامية، وهى ولاية ضرورة لحفظ الجامعة، وإقامة دولة الإسلام على أصلها... والخلافة بهذا المعنى، ليست لقباً يُعطى لكبير، ولا طريقاً روحانياً، يوصل الروح إلى عالم الملكوت، أو يربط النفوس بالدين بأسلاك نورانية، بل هى خطة حقيقة تجمع الأمة الإسلامية تحت وقايتها، بتدبير مصالحها والذب عن حوزتها».