أوسكار 2026: قليل من السياسة.. قليل من المفاجآت!
حفل أوسكار أريد له أن يأتي معقماً، عقيماً من المضمون السياسي في زمن عصيب، يفضل فيه الكثيرون الصمت وتجنب الجدل، ولكن السياسة كانت حاضرة في الخلفية الكئيبة للحفل وفي بعض كلمات الحاضرين وفي معظم الأعمال المرشحة التي تحتوي على مضامين سياسية جريئة، على رأسها الفيلم «الثوري»، المتوج بست جوائز كبرى «معركة تلو الأخرى»، والفيلم المناهض للعنصرية الأمريكية «خطاة»، المتوج بأربع جوائز، بجانب العديد من الأعمال التي فازت، أو لم تفز.
شجاعة فنان.. النجم الإسباني خافيير بارديم جاء إلى الحفل يرفع شعارين الأول يقول «لا للحرب» والثاني يحمل علم فلسطين ورسماً لحنظلة شخصية فنان الكاريكاتير ناجي العلي الشهيرة.. وصعد إلى المسرح ليعلن بالصوت الحياني: «لا للحرب.. فلسطين حرة».
باستثناء شجاعة النجم الإسباني الأصل خافيير بارديم، الذي جاء إلى الحفل واضعاً على صدره شعارين؛ الأول يقول «لا للحرب» بالإسبانية، والثاني يحمل علم فلسطين ورسماً لحنظلة، شخصية فنان الكاريكاتير ناجي العلي الشهيرة، وصعوده إلى المسرح ليعلن بالصوت الحياني: «لا للحرب.. فلسطين حرة»، وسط تصفيق حاد من قبَل نصف الحاضرين في القاعة على الأقل، بالرغم من أن أحداً منهم لم يجرؤ على التعبير عن رأيه بشجاعة مماثلة!.
باستثناء كلمة «بارديم» وحضوره اللافت على السجادة الحمراء وحواراته لبعض القنوات، وباستثناء بعض الإشارات المبطنة لمقدم الحفل كونان أو برايان، عن «الحرب العالمية الثانية» و«مغتصبي الأطفال»، وباستثناء حضور المذيع اللامع جيمي كيميل، الذي فصل من عمله في محطة ABC بضغوط من إدارة «ترامب»، بسبب آرائه السياسية في تلك الإدارة القبيحة، والذي صعد إلى المسرح وسط تحية الحاضرين ليقدم جائزة أفضل فيلم وثائقي، فيسخر من «ترامب» قائلاً: «هذا الرجل سيغضب بشدة الليلة، لأن زوجته لم ترشح للجائزة»، في إشارة إلى قيام المذكورة بصنع فيلم وثائقي تافه، ربما تمنت أن يرشح أو يفوز بالأوسكار!.
باستثناء هذه الإشارات الصغيرة، كان يمكن للحفل أن يمر دون أن يعرف المشاهدون في أي فترة عصيبة وأي إدارة غبية أقيم في عهدها.
مع ذلك، جاء الحفل بهياً، مبهجاً، خلا من النكات البذيئة المعتادة، باستثناء اثنتين؛ واحدة من مقدم الحفل، والثانية تشارك فيها كل من «أيرون مان» روبرت داوني جونيور، و«كابتن أمريكا» كريس إيفانز.
احتوى الحفل على العديد من اللحظات المبتكرة مثل البداية التي قام خلالها «برايان» بإعادة تمثيل بعض الأفلام المرشحة في «ميدلي» سينمائي مسرحي كوميدي ومبهر. وكذلك اللحظات التي علق فيها مقدم الحفل على مستقبل الأوسكار والسينما في عصر الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية، وسخريته من إعلانات اليوتيوب، في إشارة إلى احتمال قيام أكاديمية علوم وفنون السينما ببث الحفل عبر اليوتيوب في العام القادم!.
توقعات «الوطن»: 20 من 23
باستثناء جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل التي ذهبت إلى فيلم «شخص نكرة يتحدى بوتين» الزاعق سياسياً ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجائزة أفضل تصوير التي ذهبت إلى فيلم «خطاة» لأن مديرة تصويره امرأة، حيث اعتمدت حملة دعايته لكسب الأصوات على هذه الحقيقة، والتي اعترفت بها مديرة التصوير أوتمن دورالد أركابو، صاحبة الأصول الهندية أيضاً، ما عزز الانحياز إليها أثناء تسلمها للجائزة، والتي دعت النساء الحاضرات للوقوف مؤكدة أنها لم تكن لتفوز دون أصواتهن.
وباستثناء جائزة فريق تمثيلي التي ذهبت إلى «معركة تلو الأخرى» وكنت أعتقد أن الأحق بها البرازيلي «العميل السري»، فإن كل الجوائز الأخرى، وعددها 20 من إجمالي 23، قد جاءت مطابقة لتوقعات «الوطن» التي نُشرت منذ يومين.
فاز «معركة تلو الأخرى» بالجوائز الأساسية الكبرى: أفضل فيلم ومخرج وسيناريو، بالإضافة إلى جائزتي أفضل مونتاج وأفضل ممثل في دور ثانٍ، والجائزة المستحدثة لأفضل فريق تمثيلي.
يستحق هذا العمل العظيم كل جائزة يحصل عليها، ويستحق كاتبه ومخرجه ومنتجه «بالمشاركة مع آخرين» بول توماس أندرسون أن يتوج بالجوائز، ليس عن هذا الفيلم فقط، ولكن عن مجمل أعماله.
مع ذلك، فإن الجائزة التي حصل عليها شون بن كأفضل ممثل في دور ثانٍ هي الأكثر شجاعة، خاصة مع علم كثير من المصوتين أن «بن» يقاطع حفلات الأوسكار ولم يحضر لتسلم الجوائز الأخرى التي حصل عليها عن الفيلم، ومع علمهم بمواقفه المناهضة للسياسة الأمريكية.
رشح فيلم «خطاة» لـ 16 جائزة ضارباً الرقم القياسي لعدد الترشيحات التي حصل عليها فيلم واحد. مع ذلك حصد 4 جوائز فقط، اثنتان منها مستحقتان بجدارة، وهما أفضل سيناريو أصلي وموسيقى تصويرية. الجائزتان الأخريان هما أفضل تصوير، وقد ذكرت سببها أعلاه، والثانية لأفضل ممثل التي حصل عليها مايكل بي جوردان. وهي جائزة متوقعة نظراً للشعبية الكبيرة التي يحظى بها الرجل، ولكن أداءه لشخصية التوأم المجرمين في الفيلم عادي، ونرى منه الكثير كل يوم: أداء خارجي للشخصيات لا عمق أو صعوبة فيه. والأحق منه عن جدارة كان البرازيلي واجنر مورا عن أدائه الإعجازي في «العميل السري». هذا الفيلم الرائع الذي خرج من مولد الأوسكار بخفي حنين، وكان مرشحاً بقوة للفوز بجائزة أفضل فيلم دولي، ولم يحصل عليها، ربما لأنه يعتمد أسلوب «الواقعية السحرية» اللاتينية، التي لا يتذوقها الأمريكيون عادة، أو ربما لأن البرازيل فازت في العام الماضي ومن الصعب أن تفوز لعامين متتاليين. ولكن على أية حال ذهبت الجائزة إلى عمل رائع آخر هو «قيمة عاطفية» النرويجي، أحد أفضل أفلام 2026.
تقاسم كل من «معركة تلو الأخرى» و«خطاة» معظم الجوائز كما هو متوقع، ولم يخرج عنهما سوى عدد محدود من الجوائز للتمثيل والعناصر التقنية:
أفضل ممثلة لجيسي باكلي عن دورها كزوجة ويليام شكسبير في فيلم «هامنت». في الحقيقة «باكلي» هي الفيلم والفيلم «باكلي»، فهي تمثل من أول إلى آخر مشهد، ولديها بعض المشاهد الطويلة الحزينة الصعبة التي تقطع قلوب المشاهدين، ولا يمكن أن يخرج المرء من الفيلم، حتى لو لم يعجبه، دون أن يشيد بأدائها. ويمكن أن نضيف إلى ذلك النزعة النسوية الواضحة للفيلم، والتي تضمن حصوله على أصوات معظم النساء على الأقل.
أفضل ممثلة حصلت عليها إيمي ماديجان عن دورها في فيلم الرعب «أسلحة»، وهو أحد أنجح أفلام العام تجارياً ونقدياً. وتلعب فيه «ماديجان» دور شيطانة عجوز تتغذى على حياة الأطفال، وتثير القشعريرة حرفياً في أوصال كل من يشاهد الفيلم. لكن الحقيقة أن «ماديجان» لم تحصل على الجائزة عن هذا الدور، السهل نسبياً، في حد ذاته، ولكن عن مجمل أعمالها في السينما والمسرح والتليفزيون على مدار نصف قرن تقريباً.. خاصة أنها رشحت مرتين من قبل ولم تحصل على الجائزة.
جوائز إضافية حُسمت مبكراً
من الجوائز التي حُسمت مبكراً أيضاً فوز الفيلم الكوري «كي بوب صائدات الشياطين» بجائزتي أفضل فيلم تحريك طويل وأفضل أغنية. والفيلم الذي ضرب الرقم القياسي على منصة «نتفليكس» في عدد المشاهدات شكل ظاهرة عجيبة من ظواهر 2026، خاصة بين المراهقين والأطفال. الذين شاهدوا حفل الأوسكار تأكدوا من ذلك الهوس بالفيلم وكيف اندمج الحاضرون في الغناء بالمشاعل مع أغنية الفيلم!.
الجوائز التقنية ذهب معظمها إلى فيلم «فرانكنشتين» رائعة المخرج جوليرمو ديل تورو التي لم تقدر حق قدرها، ربما لأن القصة صنعت عشرات المرات من قبل، أو لأن ديل تورو لم يقدمها كفيلم رعب تجاري، كما فعلت معظم النسخ السابقة، ولكن كقصة إنسانية فلسفية تتحدث عن علاقتنا المستقبلية بالذكاء الاصطناعي، الذي قد يأتي يوم ويتحول فيه إلى مسخ فرانكنشتين!.
حصل «فرانكنشتين» على جوائز أفضل ملابس وماكياج وتصميم إنتاج «ديكور». أما «أفاتار: نار ورماد» أحدث أعمال جيمس كاميرون، صاحب «تايتانيك»، فقد حصل على جائزة أفضل مؤثرات خاصة بلا منافسة حقيقية من أي فيلم آخر.
الجانب الآخر من الأوسكار
يركز معظم الناس على الأفلام الروائية الطويلة، ولكن الأوسكار تضم عدداً كبيراً من الجوائز الأخرى للأفلام الوثائقية والقصيرة.
وقد ذهبت جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل إلى «شخص نكرة يتحدى بوتين»، الذي يرصد كفاح أحد معارضي الرئيس الروسي لتوصيل صوته رغم كل الأخطار والتحديات.
أما جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير فذهبت إلى «كل هذه الغرف الخاوية»، الذي يناقش أخطر قضية محلية يعاني منها الأمريكيون وهي انتشار العنف والسلاح، وحوادث إطلاق النار في المدارس التي تكررت كثيراً على مدار العقود الماضية، ونتج عنها عشرات الضحايا من الأطفال والمراهقين. والفيلم رحلة يقوم بها صحفي متخصص في تغطية هذه الجرائم لبيوت الضحايا ليصور غرفهم الخاوية الآن. وهو فيلم مؤثر جداً، بجانب كونه محرضاً ضد العنف، وتوعوياً من الدرجة الأولى.
هناك أيضاً جائزتان للأفلام القصيرة؛ الأولى للروائي التمثيلي وقد ذهبت بالمناصفة إلى كل من «المغنون» و«شخصان يتبادلان اللعاب»، وهي المرة الأولى في تاريخ الأوسكار التي يحصل فيها فيلمان على نفس عدد الأصوات! الطريف أنني ذكرت الفيلمين في مقال ترشيحات «الوطن» للجوائز منذ يومين!.
الجائزة الثانية هي أفضل فيلم تحريك قصير، والتي ذهبت إلى الفيلم المستحق «الفتاة التي تبكي لآلئ»، ومن الجيد أن فيلم «فراشة» لم يفز رغم أنه يلعب على نغمة اليهود والهولوكوست، وربما يكون عدم فوزه إشارة إلى التغيير الذي يحدث في أمريكا وهوليوود ضد الصهيونية وإسرائيل.
تغيير ربما نلمحه أيضاً في فقرة رثاء الراحلين في 2025، التي ضمت الممثل الفلسطيني محمد بكري، في إشارة محترمة نادرة من الأكاديمية إلى السينما العربية عامة والفلسطينية خاصة.
