والأخلاق أيضا.. عرض وطلب!
في الآونة الأخيرة ظهرت مسلسلات عدة تناقش موضوع تجارة الأعضاء، كان آخرها قُبيل شهر رمضان مباشرة، ذلك المسلسل السخيف «لا ترد ولا تستبدل»، الذي شهد أسوأ مُثلث حب عرفته الدراما، بين دينا الشربيني وصدقي صخر وأحمد صلاح السعدني!
وأحدث هذه الأعمال التي يشهدها رمضان الحالي مسلسل «عرض وطلب»، الذي كتبه محمود عزت، ويخرجه عمرو موسى (من الطريف أن الاسمين مشابهين لاسمى سياسيين شهيرين على طرفي النّقيض!)، والذي تلعب فيه سلمى أبوضيف شخصية شابة بريئة تتحول بالصدفة إلى زعيمة عصابة صغيرة لتجارة الكلى.
المسلسل واحد من أفضل أعمال الموسم، إذ يتسم بحبكة تشويقية وأحداث متلاحقة، وأداء ممثلين جيد، لا يقتصر على سلمى أبوضيف التي تقدّم هنا لأول مرة في مسيرتها شخصية ناضجة تتحول ببطء من الطيبة والضعف إلى الشر والقوة، ولكن يمتد إلى بقية فريق العمل، الذي يقدّم أداءً مُتناغماً، تجمعه كيمياء خفية، وتبدو كل شخصية منهم لا غنى عنها في دورها، سواء داخل العصابة أو خارجها.
بمرور الحلقات يبدو الرباعى هبة (سلمى أبوضيف) وكابونجا (على صبحى) وربيع (علاء مرسى) وخيرية (رحمة أحمد)، والذين ينضم إليهم لاحقاً شوقي (أبوسريع)، وكأنهم أصبحوا عائلة واحدة.. حتى يكاد المشاهد يخشى عليهم من خطر العصابات الأكبر وأعين الشرطة، كما يحدث مع «نرجس» على الجانب الآخر من الدراما.
في الحقيقة، يُشكل المسلسلان مسألة جدلية في الدراما تتعلق بكتابة الشخصيات «الشريرة»: صحيح أن الدراما السينمائية والتليفزيونية دأبت منذ قديم الأزل على تقديم شخصيات «شريرة» يتعاطف معها الجمهور، من أيام «جعلوني مجرماً»، والكثير من أعمال عادل إمام، وحتى مسلسلات العصابات خفيفة الدم التي راجت في السنوات الأخيرة، وآخرها «فن الحرب» الذي يُعرض حالياً، رغم أن فريق العصابة فيه يتّسم بثقل ظل نادر ولا يُثير التعاطف معه بأي حال.
ورغم قدم وكثرة هذه الأعمال، كما ذكرت، إلا أن «حكاية نرجس» و«عرض وطلب» يختلفان في أسلوبهما «الواقعي»، ما يجعل التعاطف مع هؤلاء «الأشرار» مأزقاً أخلاقياً يستشعره المشاهد، وهو مأزق ينتج عن التعاطف الكبير الذي يشعر به تجاه نرجس، كما يشعر به تجاه أبطال «عرض وطلب».
على سبيل المثال في الحلقات الأخيرة من «عرض وطلب» يسعى زوج «هبة» السابق «ثابت» (محمد حاتم) إلى الإيقاع بها وبعصابتها. «ثابت»، منذ بداية المسلسل، يُمثل الشخصية المثالية فهو طبيب مُحترم ونزيه ويرفض المشاركة، مثل بعض زملائه، في إجراء عمليات تشوبها شبهة التجارة، ولكنه يضطر إلى إجراء جراحة تغيير الكلى لوالدة هبة (سماح أنور)، ثم يتورط لاحقاً في تداعيات هذه الصفقة.
ولكن بأداء محمد حاتم العصبي والحاد طوال الوقت (ولا أعلم هل هذه طبيعته أم توجيهات المخرج)، فإن المشاهد يجد نفسه أكثر تعاطفاً مع هبة وبقية الغلابة من أفراد عصابتها، الذين لم يجدوا طريقاً آخر في الحياة ولا يستطيعون الاختيار تقريباً.
من مزايا «عرض وطلب» أنه يعرض هذه المعضلة الأخلاقية من جوانبها المختلفة، المحيرة حقاً، خصوصاً حين نفكر في مآسي الفقراء الذين يضطرون إلى بيع عضو من جسدهم، ومآسي المرضى الذين في أمس الحاجة إلى استبدال أحد أعضائهم، ومثلما هو الحال في أي سلعة، يظهر الوسطاء بين الطرفين الذين يحاولون هم أيضاً كسب عيشهم بلعب هذا الدور.
هذه المأساة لا تقتصر على تجارة الأعضاء بالمناسبة.. يمكننا أن نمد الخيط إلى مكاتب توظيف فتيات الليل، والخادمات، وعمال التراحيل، وتوظيف عمال الخليج، وعصابات الهجرة غير الشرعية، وغيرها الكثير من الأعمال التي تمتهن كرامة الناس أحياناً بل كثيراً. بعضها قانوني وبعضها مخالف للقوانين، ولكن الفكرة واحدة.
يمسك المخرج عمرو موسى بخيوط عناصره الفنية، من الموضوع والحبكة التشويقية وإدارة الممثلين بإتقان واضح، ويتألق في بعض الحلقات المكتوبة بشكل جيد جداً، مثل الحلقة التي تشهد ذروة التصعيد بتجمّع الشّخصيات في شقة هبة ومقتل أحد الأبرياء.
لا يخلو «عرض وطلب»، للأسف، مثل معظم الأعمال، من هنات ومبالغات في الكتابة أحياناً، وهو ما يؤدي إلى اضطراب الأسلوب الإخراجي والإيقاع في هذه المشاهد. ولكن بشكل عام، هذا واحد من أفضل أعمال الموسم.