البنزين وسيناريو يوم القيامة
في عالم الأرقام، أحياناً تكون «الحقيقة» أصعب من «الإشاعة»، والكلمة الفصل أشد ألماً ووجعاً من هبد الهابدين.
ليس هناك شك على الإطلاق أن سعر البنزين الجديد أشعل النيران في الجيوب المتعبة والمثقلة بالهموم والغلاء وممارسات تجار الأزمات.
وبعيداً عن المصطلحات الاقتصادية المعقدة، والمعادلات الرياضية التي يراها الكثيرون سخيفة و«رذلة»، لنفهم أين نقف الآن وماذا تعني الأرقام التي نراها على شاشة «طلمبة» محطة البنزين.
الحكاية مش مجرد «زيادة».. ولا في وصول سعر بنزين 92 في مصر إلى 22.25 جنيه، «الزتونة» أن هذا الرقم ليس هو «الثمن الحقيقي» للتر البنزين «92»، بل هو سعر «مُخفف» بفضل فارق التكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة.. لماذا؟ لأن سعر البنزين في مصر ليس سجين الحدود، وليس من ساكني باطن الأرض الطيبة، بل لأنه رهينة لعامِلَين لا نملك السيطرة عليهما: سعر صرف الدولار، وسعر برميل النفط العالمى (برنت).
لغة الأرقام تقول إن لتر بنزين «92» سيكون بـ36 جنيهاً، لو قررت الدولة اليوم رفع يدها بالكامل عن تحمل فارق السعر (ما يسمى بـZero Subsidy) ليصبح السعر «عادلاً» اقتصادياً بناءً على سعر صرف الدولار بـ53 جنيهاً وبرميل نفط (برنت) بـ100 دولار.
ما أقوله ليس تطبيلاً للإدارة، ولا نفاقاً للحكومة، ولا سيراً في هوجة التبرير التي تملأ فضاء السوشيال ميديا، السعر الحقيقي العادل للتر بنزين 92 سيقفز فوراً ليتخطى حاجز الـ36 جنيهاً.
هذا يعني أنني عندما أدفع 22.25 جنيه، مقابل كل لتر، فإن كل المجتمع (دافعي الضرائب) يتحمل عني حوالى 40% من التكلفة الفعلية.
نحن نعيش في أزمة شديدة الرخامة، ومشكلة قاسية على كل بيت في مصر، تحاول الحكومة أن تمسك فيها العصا الملتهبة من المنتصف، حتى لا يصل السعر للمستوى العالمي، لكن الحروب والتوترات تجعل «البرميل» يرقص رقصة عنيفة لا تهدأ.
السؤال المؤلم فعلاً إلى متى ستظل الحكومة تمسك بالعصا من المنتصف، وتمنع كرة النار من أن تنفجر في بيوت المصريين؟ ماذا لو ارتفع السعر العالمي، (وهو أمر مرجح جداً) أكثر من 100 دولار للبرميل، لأن كثيراً من المراقبين والمتابعين يضعون سيناريو (يوم القيامة) بأن يصل السعر إلى 200 دولار للبرميل؟ هل نحن في مصر لدينا خطة لسيناريو يوم القيامة هذا؟
لا أعلم الحقيقة، ولو أن الحكومة لا تملك هذه الخطة، فأنا أعذرها، فليس هناك «شيطان من الجن» توقع أن يصل سعر البرميل إلى هذه الدرجة وهذا المستوى المرعب.
وحتى أُبسِّط لكم الموضوع، في حرب أكتوبر المجيدة 1973 ومع تضامن الأشقاء في الخليج مع الموقف المصري والسوري في الحرب العادلة، عندما قرروا وقف إمداد البترول عن أمريكا وأوروبا، قفز سعر البرميل وقتها من 3 دولارات إلى 12 دولاراً، يعنى قفز السعر أربعة أضعاف السعر الجاري وقتها.
يبدو أن هذا هو المتوقع نتيجة التقدير الخاطئ للحرب الحالية، فالمتشائمون يتوقعون أن يقترب سعر البرميل من سقف الـ200 دولار.
وقبل أن تحاول أن تمسك الورقة والقلم لتحسب السعر المتوقع، سأريح عنك هذه المشقة، وأضع لك حسبة بسيطة، كل 10 دولارات في سعر برميل النفط (برنت) يقابله سعر بنزين 92 في مصر بمقدار 4 جنيهات تقريبا، هذا طبعاً مع ثبات سعر صرف الدولار عند 53 جنيهاً.
وحتى أكون أكثر وضوحاً ومباشرة، إذا كان سعر برميل البترول (برنت) بـ60 دولاراً يكون سعر لتر البنزين 92 العادل بدون تحمل الحكومة للفرق 24 جنيهاً، أما لو كان سعر برميل النفط (برنت) 80 دولاراً سيكون سعر لتر البنزين 32 جنيهاً، بينما عندما يكون البرميل بـ100 دولار يكون لتر البنزين 40 جنيهاً، أما لو كان البرميل بـ120 دولاراً، سيكون لتر البنزين في مصر 48 جنيهاً.
عاوز التقيلة، لو وصل سعر البرميل 200 دولار وهو سيناريو يوم القيامة سيكون السعر العادل للتر بنزين (92) في مصر 80 جنيهاً!
الخلاصة لا نملك في مصر سوى أمرين لا ثالث لهما، أولاً الدعاء في كل سجدة أن يعود سعر البرميل لسعر 55 دولاراً، وقتها سيبقى السعر الحالي عادلاً. ثانياً، أن نعمل ليل نهار، ونوقف شراء السلع المستوردة قدر الإمكان، ونشجع المنتج المصري مهما كانت عقدة الخواجة تملأ عقولنا.
رفع الأسعار مؤلم، وقاسٍ وظالم، وهناك من يعشق الصيد في الماء العكر، وهناك من يتاجر بقوت الناس وآلامهم وشقاهم، ولا أحد ينكر ذلك. لكن الوعي بأن السعر الذي تدفعه لا يزال بعيداً بمسافة كبيرة عن «التكلفة العالمية» يجعلك تدرك حجم الضغط الواقع على الموازنة العامة.
نحن لسنا في معزل عن العالم؛ فكل رصاصة تُطلق في صراع دولي ليس لنا ناقة فيه ولا جمل، ترفع سعر «التفويلة» في سيارتك بـ«القاهرة».