علي الفاتح يكتب: «نتنياهو» جعل واشنطن منبوذة وهذه فرصة العرب

كتب: محرر

علي الفاتح يكتب: «نتنياهو» جعل واشنطن منبوذة وهذه فرصة العرب

علي الفاتح يكتب: «نتنياهو» جعل واشنطن منبوذة وهذه فرصة العرب

تعيش في الشرق الأوسط شعوب تتميز بتعدد وتنوع عرقياتها وقومياتها وعقائدها الدينية والمذهبية، وكل هذا المتنوع المتعدد بات واضحاً أن مصالحه وأمنه واستقراره مستهدف بمخططات الفوضى والتقسيم وإثارة الفتن والغزو، واحتلال المزيد من أراضيه.

العربي والتركي والكردي والفارسي والباكستاني والأفريقي والسني والشيعي والمسيحي الأرثوذكسي والكاثوليكي والماروني والأرمني، الكل في مرمى الاستهداف دون تفرقة، والكل أيضاً في نظر العدو أداة تستخدم لتدمير شقيقه الشرق أوسطي، بل ومواطنه في ذات الدولة.

عقود طويلة عشناها تحت تأثير دعاية تستخدم الدين والعرق والمذهب تؤكد أن كلنا أعداء كلنا، لنصل إلى اليوم ليخرج علينا جنرالات العلمانية الوظيفية، إحدى أدوات أجهزة استخبارات الغرب الصهيوني يصرخ فينا قائلاً: «إسرائيل هي الصديق، وليست العدو».

بالطبع أحد العوامل المساعدة لرواج هذه الدعاية الغرب صهيونية وجود مشاريع إقليمية توسعية، إما على أساس مذهبي، أو استناداً لتاريخ إمبراطوري عانت منه شعوب المنطقة طوال القرون الوسطى حتى بدايات العصر الحديث. وقد نتجت عن ذلك تكتلات إقليمية صغيرة، ونتوءات لجماعات دينية إرهابية، وحركات عرقية انفصالية.

العدوان الصهيوأمريكي على إيران يحاول جني ثمار تلك العقود من الفتن والمؤامرات لتحقيق هدفه الاستراتيجي الأهم، وهو إعادة رسم خرائط الدول، وتوزيع مراكز الثقل الاقتصادي والمالي بحيث يصبح الكيان الصهيوني صاحب الكلمة العليا في المنطقة والآمر الناهي الذي يعمل على ترسيخ المصالح الأمريكية للسيطرة على مفاصل المنطقة الحيوية، ممثلة في ممراتها البحرية ومضايقها.

يحاولون حتى الآن، دفع دول الخليج العربي للتورط في حرب سنية شيعية ضد إيران، رغم موقفها الرافض مع كل ما تتلقاه من ضربات إيرانية، ويسعون لاستثمار الورقة العرقية بتشجيع أكراد إيران على الانضمام لهذا العدوان لدعم أكراد العراق. وفي سوريا يدفعون جنود سلطة الأمر الواقع للاشتباك مع حزب الله في لبنان لتكون حرباً طائفية أخرى تساعد جيش الاحتلال الصهيوني على مهمته الجديدة، وهي احتلال كامل جنوب لبنان وشمال نهر الليطاني بدعوى خلق مناطق عازلة.

بيد أن أخطر ما يجري في لبنان مع استدعاء 450 ألفاً من جنود الاحتياط لجيش الاحتلال، وفقاً لهيئة البث الإسرائيلية، يؤشر إلى أنه في حال نجاح هذه الحملة ستتم إعادة رسم خريطة سوريا ولبنان وفق ما تسرب عن اجتماعات سورية إسرائيلية قبل ما يقرب من عام جرت في أذربيجان وفرنسا، وأنباء تحدثت عن تنازل سوري كامل عن هضبة الجولان وجبل الشيخ وبعض المناطق في الجنوب للكيان الصهيوني مقابل حصول سوريا على طرابلس اللبنانية وبعض مناطق الشمال، وبعض المحللين والمراقبين يذهبون إلى القول بأنه من ضمن مستهدفات الغزو الصهيوني للبنان تأسيس دولة درزية تضم دروز لبنان وسوريا معاً، ضمن مخطط التقسيم العام.

لقد أخطأ حزب الله اللبناني عندما بادر بمهاجمة الكيان الصهيوني دعماً لإيران، ليس فقط لأنه أعطى الذريعة لجيش الاحتلال لتنفيذ مخططه الاستراتيجي تجاه لبنان، وإنما لأنه تسبب في إضعاف مشروعية مقاومته لدى باقي طوائف الشعب اللبناني، وجعل الحكومة اللبنانية في موقف صعب داخلياً وخارجياً.

كان على حزب الله أن يتريث، لأن العدوان الصهيوني كان سيقع في كل الأحوال، وحينها تكتسب صواريخ الحزب تجاه الأهداف الصهيونية شرعية سياسية داخلياً وخارجياً أيضاً، بل ستكون كل لبنان مطالبة بالدفاع عن أراضيها.

للأسف، تصرَّف الحزب وفقاً لانتمائه المذهبي، وهذه إحدى نواتج بذور الفتنة، التي يستفيد منها فعلياً الكيان الصهيوني.

طبقاً لإذاعة جيش الاحتلال أعلن وزير الطاقة الصهيوني إيلي كوهين أن حكومته تدرس بجدية إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان في البحر المتوسط قبالة سواحل الجنوب، ويؤكد هذا التصريح، استدعاء 450 ألف جندي احتياطي، وترحيل أكثر من مليون شخص من جنوب لبنان، أن الهدف هو الاحتلال، وليس فقط بناء منطقة عازلة.

بات كثيرون في دوائر صنع القرار العربية مقتنعين بالرؤية المصرية، التي تتحدث عن ضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة، وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة تحت مظلة جامعة الدول العربية.

من المهم الشروع في بناء هذا التحالف، والإعلان عنه ليضم مبدئياً مصر ودول الخليج والأردن والجزائر، ويقيّم وضع العراق ولبنان في الفترة الحالية، وذلك لإعطاء رسائل سياسية، وترسيخ انطباع أن الشرق الأوسط الجديد لن يكون كما تخطط تل أبيب.

مهما كانت نتيجة العدوان على إيران، فإن ضربات طهران الموجعة للأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وصمود الشعب الإيراني ورفضه استئناف أي حراك ضد الحكومة أو النظام، رغم التحريض المتكرر لكل من نتنياهو وترامب، تسبب في خسارة واشنطن وتل أبيب، فما زال النظام متماسكاً وما زالت صواريخه تصل إلى أهدافها بنجاح في قلب الكيان الصهيوني.

جاء إغلاق مضيق هرمز ليؤكد عجز الولايات المتحدة بكل ترسانتها العسكرية عن حماية أهم الممرات التجارية، وهو ما كان قد ثبت قبل أشهر قليلة في باب المندب عندما أجبرت صواريخ ومسيرات الحوثي، الأقل كفاءة، إدارة ترامب على توقيع اتفاق عدم اعتداء، لم يشمل الكيان الصهيوني وقتها.

وزير الدفاع الألمانى بوريس بيستوريوس أكد هذه الحقيقة بقوله: إذا كانت البحرية الأمريكية الأقوى في العالم عجزت عن تأمين الملاحة في مضيق هرمز، فماذا سنفعل نحن؟

كل الدول الغربية، أعضاء حلف الناتو، رفضت مناشدات ترامب المتكررة للتدخل عسكرياً لفتح المضيق، والكل أجمع في تصريحات شبه متطابقة خرجت من برلين ولندن وباريس، وحتى طوكيو، على أن هذه الحرب ليست حربهم، وبلا أهداف، علاوة على أنها غير أخلاقية وغير قانونية.

تبدو واشنطن معزولة منبوذة بسبب انسياقها وراء مخططات نتنياهو، وهو ذات الوضع الذى واجهته تل أبيب بسبب حرب الإبادة ضد قطاع غزة، وحينها حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عزلة الكيان، وأطلق مبادرته الشهيرة للسلام في غزة، ليوقع لاحقاً اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر 2025.

حتى الآن لا يبدو أن واشنطن ستجد من يتدخل لفك عزلتها السياسية، وقد تكون هذه هي فرصة دول المنطقة للإعلان، ولو عن الملامح الأولية لهذا التحالف العسكري السياسي، لا سيما أن واشنطن لم تعجز فقط عن حماية دول الخليج، بل قامت بتوجيه كل قدراتها الدفاعية لحماية الكيان الصهيوني على حساب أمن الخليج.

من المهم أن تعمل منظومة الدفاع العربي المشترك في إطار غلاف إقليمي أوسع يضم باكستان، تركيا، وإيران لاحقاً، بالمساهمة في تأمين الممرات البحرية، التي تمثل المصالح المشتركة للجميع، وحتى يتم احتواء أى نزعات توسعية لدى طهران، أو غيرها.

لا يقل أهمية عن تلك التحالفات اتفاق دول الإقليم على منع تنفيذ ما يسمى بمشروع طريق الهند أوروبا التجاري عبر منطقة الخليج العربي والكيان الصهيوني، أن هذا المشروع مرتبط في الأساس بتغيير الخريطة الجيوسياسية لصالح الكيان الصهيوني باحتلاله الدائم لقطاع غزة وكل جنوب لبنان، لتصبح الممرات البرية لهذا الطريق نحو البحر المتوسط تحت السيطرة الإسرائيلية.

الحد الأدنى لقبول هذا المشروع أن يضع العرب شروطاً للموافقة عليه، أهمها جلاء جيش الاحتلال التام عن كامل الأراضي اللبنانية وقطاع غزة، والتوقف عن إجراءات ضم الضفة الغربية ليكون الكيان بشواطئه على البحر المتوسط مجرد ممر من ضمن الممرات، وهذا ما سيرفضه قطعاً، وهو ما يحتم على دول الخليج العربى رفض أن تكون أراضيهم ضمن هذا المشروع لأنه أحد نتائج الخريطة الجيوسياسية الجديدة التي يسعون لفرضها.