معركة «الإسلام وأصول الحكم».. قديم متجدّد (6)
تناولت في المقالات السابقة الأفكار الرئيسية لكتاب الشيخ علي عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم» ومسار صاحبه، ومختلف الردود عليه في زمنه، لكن ما أثاره الكتاب من جدل لم ينتهِ، إذ استمر حول الإسلام والحكم أو «نظام الحكم في الإسلام» بانقشاع غبار المعركة التي دارت في مطلع الربع الثاني من القرن العشرين حول كتاب على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم» الذي سعى فيه إلى إثبات أن فكرة «الخلافة» ليست أصلاً من أصول الإسلام، وأن هذا الدين لم يفرض نمطاً معيناً لترتيب السلطة. فقضية الإسلام والحكم لا تزال مطروحة، تتسابق عليها الأقلام، وتتداعى عليها الألسن والهمم، وتُحاك بشأنها التدابير، ما صغر منها وما كبر، بلا هوادة، وفى إصرار لا ينفك.
فقد أنتج أنصار الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي مئات الكتب والكتيبات والبيانات، وعشرات الآلاف من المقالات الصحفية والدراسات، في سبيل الانتصار لفكرة «الدولة في الإسلام»، أو إعلاء الشعار الذي رفعته جماعة الإخوان المسلمين، والذي يقول: «دين ودولة، ومصحف وسيف، وشعب وقيادة، وعزة وسيادة». ورد عليهم خصومهم بأطنان من الكتابات التي تنتصر لمدنية الدولة في الإسلام، وتدعو إلى إبعاد الدين عن السلطة، وتتمنّى توجيه الطاقة الاعتقادية إلى ما يحفظ الامتلاء الروحي، والسمو الأخلاقي.
وفي سياق هذه المعمعة الفكرية برزت كتب بعينها، تعارض بعضها، وتلاقى بعضها. ومن أهمها كتب «الحكومة الإسلامية» لمحمد حسين هيكل، و«دستور أمة الإسلام» لحسين مؤنس، و«الدولة في الإسلام» لخالد محمد خالد، وبعدها جاءت كتابات مدرسة «إسلامية المعرفة» التي تجلى وجودها في التنظير السياسي بين أروقة قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، فبرز في هذا الاتجاه سيف الدين عبدالفتاح في أطروحته عن التجديد السياسي في الإسلام، ونصر عارف الذي حاول أن يقيّم نظريات التنمية السياسية المعاصرة من المنظور الحضاري الإسلامي، ثم سعى إلى رصد مصادر التراث السياسي الإسلامي، والسيد عمر عن نظرية الصفوة في الإسلام، وعبدالعزيز صقر الذي سعى لإثبات دور الدين في الدولة القومية الغربية، ونيفين عبدالخالق التي بيّنت المعارضة السياسية في الإسلام، وحامد عبدالماجد القويسي الذي تناول «الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية»، وهبة رؤوف التي رصدت موقف الإسلام من دور المرأة في العمل العام، وهشام جعفر الذي درس فكرة الحاكمية، إلى جانب دراسات كثيرة عن العلاقات الدولية في الإسلام.
ويعتبر حسين مؤنس أن التكوين السياسي لأمة الإسلام هو «تكوين يقوم على بيعة أو ميثاق أو تعاهد»، وأن الشورى بصورتها التي قدرها الرسول ونفّذها أساس من أسس بناء أمة الإسلام، وبدونها لا يكون تسيير أمور الجماعة حواراً وتبادل آراء، بل يكون إملاءً، وهنا لا تسير أمة الإسلام في طريقها الصحيح.
ويرى أن «رسالة الإسلام لم تكن قط إقامة ملك إسلامى، بل إقامة نظام جديد سياسي اجتماعي، يقوم على الترابط والتآخى والإيثار واستبعاد سيطرة الإنسان على الإنسان، واستبدال سلطة الملك بسلطة الضمير.. ولا يكون الخليفة في هذه الحالة إلا رمزاً للعدل، وضماناً للأخلاق»، ثم يقول: «لقد أنشأ رسول الله عليه الصلاة والسلام أمة، أى جماعة ترجع على أم واحدة، فهم إخوة، ولم يقم رسول الله دولة، لأن الدولة تحمل معنى السلطان والقوة والغلبة، وهذه كلها لله وحده، أما الذي لنا فهو أن نتآخى في الله، ويرعى بعضنا بعضاً حباً في الله».
وينتقد مؤنس المفكرين السياسيين المسلمين، وكلهم فقهاء، نظراً لأنهم في نظره افتقدوا إلى إدراك حقيقة مهمة، وهي أن «السياسة شيء، والإسلام وعقيدته وشريعته شيء آخر، فالسياسة عند ابن خلدون قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها، ثم يفرّق بين السياسة العقلية المفروضة من أكابر الدولة وبصرائها، والسياسة الشرعية المفروضة من الله بشارع يقرّرها ويشرعها. وما سكت عنه ابن خلدون، ذكاءً منه وحرصاً، أفصح عنه ابن تيمية في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية».
ويُبدي «مؤنس» استغرابه من أن الفكر السياسي الإسلامي كله انحصر في موضوع «الخلافة الملكية» هذا، من يستحقها ومن لا يستحقها.. وكيف يستطيع (الخليفة الملك) أن يكون رؤوفاً رحيماً برعيته، وما الذي يصلح السلطان؟، وما الذي يُفسده؟ وما إلى ذلك من المباحث الفرعية، البعيدة جداً عن طبيعة أمة الإسلام وغاياتها. ونحن لا نريد بهذا أن نقول إن الخلافة ليست من الإسلام، أو إن الملك يتعارَض مع الإسلام، فالخلافة أو الملك أو السلطنة وما إليها صور شكلية لممارسة تنظيم أمور الأمة، فالإسلام لا ينكر الخلافة، ولا ينكر الملك أو الإمارة، فهذه كلها أشكال تنظيمية إذا ارتضتها الأمة واختارتها لم يكن بها بأس، ولكنها تظل كما قلت تنظيمات شكلية، للأمة أن تصوغها كيف تشاء. أما المهم فهو الأمة الحرّة الكريمة المؤمنة المتحدة في المبادئ والغايات، الملتفة حول القرآن، المؤمنة بالإسلام إيمانا صحيحاً. وينتهى «مؤنس» إلى أن دستور الإسلام هو هو «قانونه الأخلاقي، الذي هو قاعدة الحياة، وأصل الحياة الإسلامية».
أما حسين هيكل، فيأخذ هذه القضية إلى مستوى أعمق، ليدخل إلى صلبها، من دون مواربة ولا تتردد، فيُفرق بين كون الإسلام يفرض قواعد أساسية لحياة الأسرة، والميراث والتجارة والبيع، وهي مسائل استفاض الفقهاء في شرحها، وعملوا على تقديم اجتهاد فيها تواكب الواقع المتجدّد، وبين تحديده نظام حكم بعينه. وهنا يقول: «هذه القواعد الأساسية لشئون حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والخلقية، لم تتناول أي تفصيل في الأساس الذي تقوم عليه الدولة. ولم تتعرّض لنظام الحكم تعرّضاً مباشراً، والآيتان الكريمتان «وشاورهم في الأمر» و«أمرهم شورى بينهم» لم تنزلا في مناسبات تتصل بنظام الحكم».
وتأسيساً على عدم ورود أي شيء في النص المؤسس للإسلام، وهو القرآن الكريم يفصل في تبيان نظام الحكم، ينتقل «هيكل» إلى مستوى الممارسة، فيرى أن فكرة الحكم لم تكن مفصّلة القواعد في عهد النبى صلى الله عليه وسلم، بعد هجرته إلى المدينة، وأن الرسول الكريم لم يغيّر نظم الحكم البسيطة التي كانت سائدة في مجتمع البادية، وقبل الاختلاف والتباين بينها، ونادى فقط بأن تعتمد في تسيير الحياة على المبادئ العامة للإسلام، وفى مطلعها العدالة والمساواة والحرية، وأنه لم يغيّر الأوضاع التي كانت قائمة في مكة نفسها بعد أن فتحها، ولم يضع نظاماً مفصّلاً للحكومة الإسلامية.
لكن «هيكل» يُقر بأن «القواعد الجديدة التي جاء بها الإسلام لتنظيم السلوك والمعاملات، كانت مقدّمة لتنظيم سياسي لا مفر من استقراره، وقد اطمأنت قواعده بالفعل شيئاً فشيئاً، متأثرة بالبيئة وأحداث التاريخ»، لاسيما بعد اتساع حركة الفتوحات الإسلامية، فانتقلت أساليب وأنماط الحكم التي كانت متبعة عند الفرس والروم إلى «الحكم الإسلامي»، فانتقل من «الإمبراطورية الروحية» في عهد الخلفاء الراشدين إلى «الإمبراطورية السياسية» في زمن الأمويين والعباسيين.
فقد كان أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، رضى الله عنهم، أولياء على قومهم، باختيار الناس لهم ومبايعتهم إياهم. أما الأمويون والعباسيون فقد تصرّفوا على أساس أنهم ظلال الله على الأرض، وأنه سبحانه وضع في أيديهم مفاتيح خزائنه. فالراشدون ولاهم الشعب فكانوا وكلاءه، أما الملوك فغلبوا الشعب على أمره، وتسلطوا بقوة البأس على رقابه، فاعتبروا أنفسهم سادته، فضلاً عن أنهم حكامه.
وهناك نقطة غاية في الأهمية لفتت انتباه «هيكل»، إذ يقول: «إن أحداً من فقهاء المسلمين في العصر الحديث، لم يتّجه نظره إلى تصوير الفكرة الإسلامية في الحكم تصويراً كاملاً، وتطبيق هذا التصوير على الأمم الإسلامية في هذا الزمن الذي نعيش فيه. لم يتّجه أحدهم ليقيم مذهباً كاملاً بين الحدود والتفاصيل، يضع كل شأن من شئون الجماعة في المكان الواجب له من نظام الحكم في الإطار الإسلامي الصحيح».
وينتهي «هيكل» إلى أن الإسلام لم يُحدد شكلاً ثابتاً للحكم، خلافة كانت أو ملكاً أو سلطنة أو إمارة أو رئاسة أو غيرها، لكنه عنى بإقرار مجموعة من المبادئ التي يُفرض اعتمادها وتطبيقها، دون الالتفات إلى شكل الحكم السائد، وهى: «الإيمان الحق بالله تعالى، وبثبات سُنته في الكون ثباتاً نُدركه بعقولنا الحرة وتفكيرنا المتصل، وأن نتعاون في ما بيننا على أن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يؤدي الفرد واجبه لله وللجماعة، وأن تؤدي الجماعة واجبها لله وللأفراد جميعاً».