د. منجي علي بدر يكتب: رابحون وخاسرون ونهاية مؤجلة
د. منجي علي بدر يكتب: رابحون وخاسرون ونهاية مؤجلة
يشهد مسار الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران تحولاً كبيراً مع تصاعد سياسة استهداف القيادات العليا في النظام الإيراني، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى سابقاً ثم مؤخراً اغتيال مسئولين بارزين، مثل علي لاريجاني وقادة في الباسيج وهذا التصعيد النوعي يضع الصراع في مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن الأسابيع الأولى ويؤكد أن الحرب لم تعد فقط تدمير قدرات عسكرية بل إعادة تشكيل بنية الدولة الإيرانية نفسها وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة النهاية المحتملة للصراع.
وفيما يلي تحليل للوضع الراهن والتوقعات المستقبلية للحرب:
أولاً: انتقال الحرب إلى مستوى كسر النظام وليس ردع السلوك واغتيال قيادات عليا يشير إلى تحول الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية من احتواء إيران إلى إضعاف النظام واحتمال إعادة تشكيله وهذا يعكس عدداً من المسارات أهمها:
1- تعميق الصراع بدل احتوائه، فإيران اعتبرت أن التهدئة غير مطروحة حتى هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل مما يعني أن الاغتيالات أغلقت نافذة التفاوض قصيرة الأجل.
2- استمرار القدرة العسكرية الإيرانية رغم الضربات، حيث تواصل إيران إطلاق صواريخ على إسرائيل ودول الخليج واستهداف منشآت في الإمارات والعراق وهذا يؤكد أن الاغتيالات لم تؤثر على القدرة القتالية بل زادت من دوافع التصعيد وتوسيع رقعة الحرب إقليمياً أي أن الحرب أصبحت حرباً إقليمية متعددة المسارح.
ثانياً: كيف تغيرت معادلة نهاية الحرب حيث استحالة الحسم العسكري السريع رغم الضربات المكثفة (أكثر من 15 ألف هدف وفق بعض التقديرات العسكرية) ولم تنهر الدولة الإيرانية ولم تتوقف الضربات المضادة ولم يُفتح مضيق هرمز بالكامل بل على العكس انخفضت حركة الناقلات بنسبة تصل إلى 70% ثم شبه توقف وتم تعطيل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وأيضاً ترجيح سيناريو «التجميد القسري» والسيناريو الأقرب هو وقف إطلاق نار غير مستقر نتيجة ضغط اقتصادي عالمي ودون تسوية سياسية شاملة ثم صراع منخفض الحدة وعمليات بالوكالة وربما توتر دائم في الخليج.
ثالثاً: مَن يمكنه إنهاء الصراع؟ نرى أن القوى القادرة فعلياً على إنهاء الحرب هي الولايات المتحدة لأنها الطرف الرئيسي في العمليات وتملك القدرة العسكرية والاقتصادية لفرض وقف القتال ولكن ذلك سوف يواجه تكلفة مرتفعة وانقسام داخلي (استقالات وانتقادات) ثم الصين لأنها أكبر مستورد للطاقة من الخليج وتمتلك علاقات مع إيران ودول الخليج ويمكن أن تلعب دور الوسيط الاقتصادي - السياسي.
ولا نستبعد روسيا التي تمتلك علاقات استراتيجية مع إيران ومستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة ولكن دورها أقرب إلى المواءمة وليس وسيطاً حاسماً، ثم القوى الإقليمية (دول الخليج) التي تلعب منذ البداية دوراً في الضغط لوقف الحرب وتمويل ترتيبات أمنية جديدة.
رابعاً: العوامل الضاغطة لإنهاء الحرب أهمها العامل الاقتصادي العالمي بسبب تعطّل 20% من النفط العالمي وارتفاع الأسعار إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل وخطر ركود تضخمي عالمي وكل ذلك يولد ضغطاً من أوروبا وآسيا الصناعية والأسواق المالية بالإضافة لضغط سلاسل الإمداد والتوريد العالمية التي تشهد شبه توقف كامل لمضيق هرمز وارتفاع الشحن بنسبة 30 - 40% وتهديد التجارة العالمية.
ويضاف لما سبق الضغط الداخلي في إيران وفى الولايات المتحدة وكذا خطر الانزلاق إلى حرب شاملة باستهداف قواعد أمريكية وضرب منشآت خليجية واحتمالات تدخل أطراف جديدة.
خامساً: تداعيات الحرب على الأمن القومي المصري، حيث تقع قناة السويس تحت ضغط مزدوج وتراجع المرور بسبب تحويل المسارات وارتفاع تكلفة التأمين البحري ولكن في المقابل تزداد أهمية القناة كممر بديل عند استقرار الأوضاع وبخصوص الاقتصاد المصري سوف تزداد فاتورة الطاقة وربما ضغوط تضخمية مع احتمالات خروج استثمارات خاصة الأموال الساخنة ولكنَّ هناك فرصاً تتمثل في جذب سلاسل الإمداد والتوريد العالمية وتعزيز دور مصر كمركز لوجيستي وكذا زيادة الصادرات المصرية.
سادساً: أهم نتائج الحرب على النظام الدولي:
1- تسريع التحول إلى نظام متعدد الأقطاب حيث كشفت الحرب تراجع قدرة الولايات المتحدة على الحسم السريع وصعود دور الصين كوسيط محتمل واستفادة روسيا اقتصادياً.
2- عسكرة الاقتصاد العالمي حيث تم ربط الطاقة بالأمن العسكري واستخدام الممرات البحرية كسلاح.
3- إعادة تشكيل أسواق الطاقة وتسريع التحول للطاقة البديلة وتنويع طرق النقل وتقليل الاعتماد على نفط وغاز الخليج.
4- عودة الجغرافيا السياسية للطاقة حيث أصبح مضيق هرمز أخطر نقطة اختناق في الاقتصاد العالمى منذ الحظر البترولى عام 1973.
وفى الختام، فإن التطورات الأخيرة، خاصة الاغتيالات تشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة كسر الإرادة السياسية للنظام الإيراني وليس فقط إضعافه عسكرياً ولكن النتائج الفعلية تشير إلى استمرار القدرة الإيرانية على الرد وتوسع الحرب إقليمياً وتصاعد الضغوط الاقتصادية عالمياً.
ومن المرجح أن تنتهى الحرب عبر وقف إطلاق نار قسرى بفعل الضغوط الاقتصادية أو وساطة دولية غالباً تقودها الصين بدعم أمريكى ودعم روسى مع ترتيبات أمنية جديدة في الخليج ولن تنهى الحرب الصراع بل ستعيد تعريفه وستكون مخرجاتها الأساسية في شرق أوسط قائم على توازن ردع غير مستقر واقتصاد عالمى أكثر عرضة للصدمات ونظام دولى يتجه بسرعة نحو تعدد الأقطاب واستمرار الصراع الاقتصادى الاستراتيجى.