هرمز.. سلاح إيران الأخير
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي تمر عبره إمدادات الطاقة العالمية، بل تحوّل إلى الأداة الأكثر تأثيراً في إدارة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى «سلاح ذكي» تستخدمه طهران لتعويض الفجوة في موازين القوة التقليدية.
ففي الوقت الذي راهنت فيه واشنطن على الحسم العسكري السريع، أظهرت التطورات أن إيران اختارت معركة مختلفة، عنوانها السيطرة على إيقاع الاقتصاد العالمي، وليس فقط الاشتباك في الميدان. ومن هنا، جاء التصعيد في مضيق هرمز ليكشف حدود القوة الأمريكية، ويضعها أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع.
الولايات المتحدة، التي دخلت هذه الحرب بتقديرات تفترض إمكانية تحقيق أهدافها الاستراتيجية في وقت قصير، تجد نفسها اليوم في مأزق حقيقي. فالأهداف المعلنة لم تتحقق بالكامل، وإيران ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في مسار الصراع، ليس فقط عبر أدواتها العسكرية، ولكن من خلال قدرتها على تهديد واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
هذا المأزق هو ما يفسر التحركات الأمريكية الأخيرة، خاصة دعوات الرئيس الأمريكي إلى حشد تحالفات دولية جديدة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. غير أن هذه الدعوات لا يمكن فهمها فقط في إطار الحرص على استقرار الأسواق، بل تعكس في جوهرها محاولة للخروج من «فخ استراتيجي» وجدت واشنطن نفسها عالقة فيه.
وهنا يبرز البُعد الأوروبي في الأزمة كعنصر كاشف لحجم التعقيد. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين تمر بحالة من التوتر غير المسبوق، نتيجة تباين التقديرات حول جدوى الانخراط فى مواجهة مفتوحة مع إيران. فالدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، التي كانت تاريخياً شريكاً رئيسياً في العمليات العسكرية الأمريكية، تبدو أكثر تحفظاً هذه المرة.
هذا التحفظ لا ينفصل عن دروس الماضي، خاصة تجربة غزو العراق عام 2003، التي لا تزال تلقي بظلالها على صناع القرار في أوروبا. كما أن القلق من الانزلاق إلى صراع طويل في منطقة شديدة الحساسية، يهدد بشكل مباشر المصالح الاقتصادية الأوروبية، يجعل من الصعب على العواصم الأوروبية الانخراط بحماس في تحالف جديد تقوده واشنطن.
ويمكن فهم حالة عدم الرضا التي يبديها الرئيس الأمريكي تجاه حلفائه، سواء فى الإقليم أو في أوروبا. فواشنطن كانت تتوقع دعماً أكبر، سواء فى صورة وجود عسكري مباشر أو حتى غطاء سياسي واضح، لكن ما حدث هو استجابة محدودة تعكس فجوة متزايدة في الرؤى بين ضفتى الأطلسي.
كما تأتي محاولات استدعاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى المشهد، ليس فقط كأداة عسكرية، بل كغطاء سياسي يمنح التحركات الأمريكية شرعية أوسع. غير أن توظيف الناتو في أزمة من هذا النوع يواجه تحديات حقيقية، في ظل تباين مصالح الدول الأعضاء، وغياب إجماع واضح حول طبيعة التهديد وكيفية التعامل معه.
فيما تدرك إيران أن الوقت يلعب لصالحها في ظل هذه الانقسامات، ولذلك تواصل إدارة الصراع بأسلوب «الاستنزاف الذكي»، الذي يقوم على الضغط دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل. فتهديد الملاحة في مضيق هرمز لا يعني بالضرورة إغلاقه الكامل، بقدر ما يعني إبقاءه فى حالة توتر دائم، كفيلة بإرباك الأسواق وإرسال رسائل استراتيجية مستمرة.
ومع اتساع نطاق الأزمة، لم تعد المسألة مقتصرة على صراع ثنائي، بل تحولت إلى قضية دولية تتداخل فيها حسابات قوى كبرى مثل روسيا والصين، اللتين تراقبان المشهد وتسعيان إلى توظيفه بما يخدم مصالحهما، سواء عبر الوساطات أو عبر إعادة ترتيب موازين القوى الدولية.
في هذا المشهد المعقد، تبرز التحركات العربية، وخاصة المصرية، كعامل توازن مهم. فالقاهرة تنطلق من إدراك واضح بأن أي اضطراب في مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي العربي، وعلى استقرار أسواق الطاقة التي تمثل شرياناً حيوياً لاقتصادات المنطقة. لذلك، تتحرك مصر في اتجاهين متوازيين: دعم استقرار الإقليم، والسعي لفتح مسارات للوساطة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مثل هذه الحروب لا تنتهي إلا على طاولة التفاوض.
في المحصلة، يمكن القول إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح مركز الثقل الحقيقي في هذه الحرب. إنه الساحة التي تُختبر فيها إرادة الأطراف، وحدود القوة، وإمكانية الصمود في معركة مفتوحة بلا أفق زمني واضح.
إنه، ببساطة، سلاح إيران الأذكى.. والنقطة التي قد تُحدد شكل النهاية، مهما طال أمد الصراع.