الوعي العربي تحت القصف

كان صدور بيان مشترك من الهيئات الإعلامية الممثّلة للإعلام المصرى، للتصدى الفاعل لحملات الوقيعة بين مصر والأشقاء العرب ضرورياً ومهماً، خصوصاً وقد سبقه بأيام بيان مجلس وزراء الإعلام العرب بشأن تطورات الحرب فى الإقليم، وهذا التحرك الرسمى مصرياً وعربياً، لم يكن أمراً عابراً أو محض تزامن بيروقراطى، بل جاء انعكاساً لحالة قلق حقيقية من مسار موازٍ للصراع العسكرى، مسار لا يقل خطورة عنه، بل قد يكون أكثر تأثيراً على المدى البعيد، وهو مسار السرديات المتصارعة وحملات التضليل التى تجتاح الفضاء العربى وتعيد تشكيل وعيه على نحو مُقلق.


فعلى امتداد أيام الحرب لم تكن الصواريخ وحدها هى التى تتبادل الضربات، بل كانت هناك معركة أخرى تدور فى الخلفية، معركة مُحتدمة على العقول، تُستخدم فيها أدوات الإعلام الجديد ومنصات التواصل الاجتماعى، حيث تتكاثر الروايات وتتصادم التفسيرات، وتُصنع الحقائق أحياناً بقدر ما تُنقل. وفى خضم هذه الفوضى، بدا المتلقى العربى وكأنه غارق فى بحر من المعلومات المتناقضة، عاجز عن التمييز بين ما هو حقيقى وما هو مُصنّع، بين ما يخدم مصالحه وما يهددها.


هذه الحالة لم تنشأ فجأة، بل هى امتداد لتراكمات طويلة من غياب المشروع العربى الجامع، وترك المجال مفتوحاً أمام قوى إقليمية ودولية لملء الفراغ، ليس فقط سياسياً أو عسكرياً، بل أيضاً معرفياً وإعلامياً. ومع اتساع هذا الفراغ، أصبحت السرديات الخارجية هى الأكثر حضوراً وتأثيراً، بينما تراجع الصوت العربى القادر على تقديم تفسير متماسك للأحداث من منظور المصالح العربية.


ولعل المفارقة الأكثر إثارة للقلق أن الانفتاح المعلوماتى، الذى كان يفترض أن يكون أداة لتحرير الوعى، تحول فى كثير من الأحيان إلى أداة لتضليله. فالتدفّق الهائل للمعلومات، دون وجود آليات كافية للتحقّق أو الفهم، لم يؤدِّ إلى زيادة المعرفة، بل أسهم فى تشتيت الانتباه وإضعاف القدرة على التحليل. وهنا، لم يعد الخطر فقط فى نقص المعلومات، بل فى فائضها غير المنظم، الذى يسمح بتسلّل السرديات الموجّهة، بل ويمنحها أحياناً شرعية زائفة.


وفى قلب هذه الفوضى، تتشكل اصطفافات حادة داخل المجتمعات العربية، تتغذى على استقطاب عاطفى أكثر منه عقلانى. يظهر ذلك بوضوح فى تبنى بعض الأصوات منطق «عدو عدوى صديقى»، حيث يتم تأييد أى طرف يواجه إسرائيل، دون النّظر إلى طبيعة مشروعه أو تأثيره على الأمن القومى العربى. هذا المنطق، الذى يبدو فى ظاهره بسيطاً ومباشراً، يحمل فى طياته قدراً كبيراً من السّذاجة السياسية، لأنه يتجاهل تعقيدات الواقع وتشابك المصالح، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج أزمات تاريخية دفع العالم العربى ثمنها مراراً.


التجربة العربية مليئة بنماذج استُخدمت فيها شعارات كبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كغطاء لمشروعات لا علاقة لها بتحرير الأرض، بقدر ما ترتبط بتوسيع النفوذ أو تصفية حسابات إقليمية. وفى كل مرة، كانت النتيجة واحدة: استنزاف المشاعر العربية، دون تحقيق مكاسب حقيقية، بل ربما على حساب استقرار الدول العربية نفسها.


من هنا، يُمكن فهم دلالة التحرك المصرى والعربى الأخير إعلامياً وسياسياً. فالمشهد الحالى يشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة معقّدة، وتحولت المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة، يدفع ثمنها الجميع، وفى مقدمتهم الدول العربية.


وفى الوقت نفسه، تتّسع رقعة الخطر لتشمل مساحات جديدة من الإقليم، مع تصاعد التهديدات الأمنية، واستهداف منشآت الطاقة الحيوية، وتزايد احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع. وفى ظل هذا الوضع، يصبح الحفاظ على تماسك الجبهة العربية أولوية قصوى، ليس فقط على المستوى السياسى، بل أيضاً على مستوى الوعى الجمعى.


وهنا يبرز الدور المحورى للإعلام العربى، الذى لم يعد أمامه ترف الاكتفاء بنقل الأحداث، بل بات مُطالباً بلعب دور أكثر تعقيداً، يتمثّل فى تفكيك السرديات، وكشف التناقضات، وطرح الأسئلة التى تساعد المتلقى على الفهم، لا على الانجراف. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط فى الميدان، بل فى قدرة كل طرف على فرض روايته، باعتبارها الحقيقة.


غير أن هذا الدور يواجه تحديات كبيرة، فى مقدّمتها الحملات المنظمة التى تستهدف المجتمعات العربية عبر الفضاء الرقمى، والتى تعمل على تأجيج الخلافات، وتضخيم التناقضات، وإعادة إنتاج الانقسامات. ولم يعُد سراً أن جزءاً من هذه الحملات يُدار من داخل إسرائيل، ويستهدف بشكل مباشر إضعاف أى إمكانية لتشكيل موقف عربى موحّد.


وفى مواجهة هذا الواقع، تبدو الحاجة مُلحة إلى إعادة ترتيب الأولويات، ليس فقط على مستوى السياسات، بل أيضاً على مستوى التفكير ذاته. فقبل الحديث عن مشروع عربى جامع، هناك ضرورة لتصحيح الاختلالات فى الوعى، والتخلص من الأنماط الذهنية التى جعلت من العالم العربى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.


إن بناء موقف عربى متماسك لا يبدأ من البيانات الرسمية فقط، بل من وعى جمعى يدرك طبيعة التحديات، ويفهم تعقيدات الصراع، ويُحدّد موقعه بناءً على مصالحه الحقيقية، لا على انفعالات لحظية أو شعارات عامّة. وهذا يتطلب جهداً متواصلاً من مؤسسات الإعلام والتعليم والثقافة، لإعادة بناء العقل العربى على أسس أكثر صلابة وواقعية.


فى النهاية، يمكن التأكيد على أن أخطر ما فى اللحظة الراهنة ليس فقط ما يجرى على الأرض، بل ما يجرى فى العقول. فحين يفقد المتلقى قدرته على التمييز، يُصبح أكثر عرضة للتلاعب، وأكثر استعداداً للانخراط فى صراعات لا تخدمه، بل قد تضر به بشكل مباشر.


ولذلك، فإن استعادة التوازن تبدأ من استعادة الوعى، ومن القدرة على قراءة المشهد، بعيداً عن الضجيج، وفهمه فى سياقه الأوسع. فمن دون ذلك، سيظل العالم العربى يدور فى حلقة مفرغة، تتكرّر فيها الأخطاء، وتتبدّل فيها الوجوه، بينما تبقى النتيجة واحدة: المزيد من الفوضى، والمزيد من الغياب عن الفعل الحقيقى.