بيتر ميمي: مايسترو الدراما التليفزيونية!
ارتبط اسم المخرج بيتر ميمى بالدراما الرمضانية على مدار العقد الفائت، منذ أن قدّم الجزء الأول من مسلسل «كلبش» فى 2017، ثم تلاه بجزأين آخرين فى الموسمين التاليين، ليعقبه بثلاثية أخرى أكثر نجاحاً، وهى «الاختيار»، ثم «الحشاشين»، الذى يُعد واحداً من أفضل ما قدّمته الدراما التليفزيونية المصرية فى تاريخها، ويعود فى رمضان 2026، بواحد من أفضل أعمال الموسم، وهو «صحاب الأرض».
فى مثل هذا العمل الصعب، الذى ينتمى إلى ما يُمكن أن نطلق عليه دراما المناسبات، أسوة بأغانى المناسبات، يجد المخرج نفسه أمام عدة اختيارات: أسهلها هو الاعتماد على الحوار و«الكلام الكبير» واللعب على استدرار مشاعر ودموع المشاهدين. ويكفيه فى هذه الحالة التركيز على مشاهد الموت والفقد، وموسيقى الوتريات والناى العاطفية، والأداء التمثيلى المفرط فى التعبير.
الاختيار الأصعب هو العثور على حالة شعورية صادقة تُنظم هذه العناصر: القصة والحوار والتمثيل والديكور والتصوير والمونتاج والموسيقى، فى بناء واحد مُتكامل مُتناسق، يؤدى الغرض من وجوده، وفى الوقت نفسه يشيع إحساساً بالجمال الفنى. ورغم أن المضمون قاسٍ ومؤلم، والواقع الذى يُصوره العمل قبيح، وصعب التحمل على الكثيرين، ولكنه أشبه بقصيدة رثاء بارعة النّظم، مؤثرة المعنى، تشجى الآذان بالموسيقى والإيقاع، والخيال بالصور والمجاز، ومن ثم يتضاعف الإحساس بالواقعة أو الوقائع التى أثيرت، وتبقى فى الوجدان والذاكرة، متجاوزة المناسبة التى صنعت من أجلها.
من السينما إلى التليفزيون
هذا هو التحدى الذى خاضه بيتر ميمى ونجح فيه بدرجة كبيرة، مؤكداً مكانته كواحد من أفضل صناع الدراما الحاليين. ولكن رحلة الوصول إلى هذه المكانة استغرقت 18 عاماً تقريباً، سادها الكثير من العثرات والفشل، والكثير من التجريب والتعلم، رحلة عنوانها التواضع والدأب. رغم بداياته السينمائية، وكثرة الأفلام التى صنعها خلال مسيرته الفنية التى تمتد من صنعه فيلمه القصير «يوم سعيد جداً»، حين كان طالباً بكلية الطب فى 2008، وحتى أحدثها «المشروع إكس» فى العام الماضى، يمكن ملاحظة تفوق بيتر ميمى فى الدراما التليفزيونية، على عكس السينما التى يعانى فيها من عدم توفيق وتذبذب واسع فى درجات النجاح.
هذا الحضور المتميّز يُذكر بمبدعين آخرين، مثل يحيى العلمى فى الإخراج، ويحيى الفخرانى فى التمثيل، وأسامة أنور عكاشة فى الكتابة، من الذين اتخذوا من الدراما التليفزيونية ملعبهم المفضل، وشعروا فيه بأنهم فى بيتهم ومنطقتهم الأليفة.
يُمثل بيتر ميمى نموذجاً فريداً للصعود الذى يبدأ من الصفر، ومن المحاولات التى تبدأ بالفشل.
الكثير من الفشل!
دخل بيتر ميمى مجال السينما من باب الهواية، لم يدرس السينما بشكل أكاديمى، باستثناء «كورس» خاص فى «المدرسة العربية للسينما» التى تديرها الدكتورة وأستاذة المونتاج منى الصبان، ثم راح ينهل من مشاهدة أفلام السينما الأمريكية والعالمية وقراءة الكتب المتداولة ومشاهدة المحاضرات المتوافرة على الإنترنت، حتى يستكمل هذه الدراسة ويصقل مهاراته شيئاً فشيئاً. ورغم أن أولى محاولاته كانت فى 2008، كما ذكرت، إلا أنه يمكن القول إن بداية بيتر ميمى كانت مع ثورة يناير 2011، التى أعطت الأمل لآلاف الشباب فى تحقيق أحلامهم، مهما كانت تبدو مستحيلة. ومن الطريف أن أول أعماله كان فيلماً قصيراً بعنوان «الحرامية» يدور حول مخرج فاشل يجمع عدداً من الممثلين الفاشلين لعمل فيلم فاشل عن الثورة.. التى ربما تكون فشلت بعد انقلاب الإخوان عليها، ولكنها بالتأكيد هيّأت المناخ، ومنه الساحة السينمائية، لظهور أسماء شابة وجديدة. من هذا المناخ وُلد فيلم بيتر ميمى الأول «سبوبة»، الذى عُرض خلال الأيام الأخيرة من عام 2012، ورغم أنه منى بفشل ذريع فى شباك التذاكر، حيث لم يحقّق سوى 217 ألف جنيه، إلا أن فيلمه التالى «سعيد كلاكيت» كان أفضل حظاً، قليلاً، إذ حقّق ما يزيد قليلاً على 3 ملايين جنيه.
من فشل ذريع آخر فى فيلم «حارة مزنوقة» إلى فشل أكبر فى «برد الشتا»، 2015، قرّر بيتر ميمى أن يُجرّب حظه للمرة الأخيرة بفيلم «الهرم الرابع»، الذى، كما يقول فى أحد حواراته، كان ينوى ترك السينما والتفرّغ للطب إذا فشل. ولكن الفيلم حقّق نجاحاً مُفاجئاً وكبيراّ، حيث تجاوزت إيراداته 6 ملايين جنيه، ولفت إليه الأنظار كمخرج يتمتّع بإمكانيات جيدة، خاصة فى نوع الأكشن والبوليسى.. ومن ثم أتيحت له الفرصة لصنع مسلسله التليفزيونى الأول «كلبش» فى 2017، ومسلسل آخر هو «الأب الروحى» المقتبس عن الفيلم الشهير، ونجح العملان، ليضعا اسمه على الطريق الصحيح.
درس التجربة
تجربة بيتر ميمى، التى تمتد إلى 9 سنوات تقريباً من فيلمه القصير الأول فى 2008 وحتى «الهرم الرابع» فى 2016، درس لأى شاب لديه هواية يعشقها، مستعد لتكريس عمره من أجلها. وإذا كان يمتلك الموهبة والاستعداد للتعلم من الأخطاء، فلا بد أن النتيجة ستكون جيدة مهما تأخرت. ولكن تجربته من «كلبش» إلى «صحاب الأرض» التى تمتد 9 سنوات أخرى، هى الأهم، لأنها تبيّن أن وصول المرء إلى حلمه هو مجرد بداية الطريق، وأن الأهم من الموهبة هو رعاية هذه الموهبة وتطويرها، والأهم من الحصول على الفرصة هو الكيفية التى نتعامل بها مع هذه الفرص، بجدية، وتواضع، واحترام.
واصل بيتر ميمى مسيرته التليفزيونية فى الجزأين التاليين من «كلبش»، وقد حقّقت الثلاثية نجاحاً كبيراً، فى الوقت الذى واصل فيه محاولاته السينمائية متراوحة النجاح: بعد فيلمين فاشلين آخرين هما «القرد بيتكلم» و«عقدة الخواجة»، جاء النجاح مع أمير كرارة، بطل ثلاثية «كلبش»، فى فيلم «حرب كرموز»، 2018، الذى حقّق ما يقرُب من 57 مليون جنيه فى شباك التذاكر، سرعان ما لحقه بقفزة أخرى بفيلم «كازابلانكا» الذى حقّق نحو 80 مليوناً! مشكلة بيتر ميمى فى السينما -التى ذكرتها فى مكان آخر- هى الإفراط: كثرة الأفكار وكثرة المشروعات وكثرة العمل، وأيضاً اختيار سيناريوهات مُقتبسة وسيئة، سواء التى يكتبها أو يستعين فيها بآخرين. والنتيجة هذا التذبذب المثير بين النجاح الكبير والفشل الذريع. بعد «كازابلانكا» يأتى «موسى»، وهو عمل مُكلف وطموح جداً لعمل فيلم خيال علمى، لم يحقّق سوى 17 مليون جنيه، أعقبه بفيلم آخر متوسّط النجاح هو «من أجل زيكو»، وفشل آخر فى «شلبى» الذى لم تزد إيراداته على 15 مليون جنيه. ولكن وفقاً للنمط pattern الذى اعتدناه فى مسيرة بيتر ميمى، أعقب هذه الأفلام الثلاثة بـ«بيت الروبى»، 2023، الذى حقّق نجاحاً مُفاجئاً مُدهشاً، ضرب الرقم القياسى لأعمال بيتر ميمى، حيث تخطت إيراداته 130 مليون جنيه، وتبعه «المشروع إكس» فى 2025 الذى حقّق إيرادات مماثلة، ليُصبح الفيلمان ضمن قائمة الأعمال الأكثر تحقيقاً للإيرادات فى تاريخ السينما المصرية.
ومع ذلك، ومن منظور نقدى، لم يستطع بيتر ميمى إلى الآن صنع عمل سينمائى يُمكن اعتباره تحفة أو علامة فنية، على العكس من معظم أعماله فى الدراما التليفزيونية.
حين تكون السيناريوهات أصيلة، وذات مضمون قيّم، وحين تكون بعيدة عن السينما والدراما الهوليوودية التى تشبّعت بها عينا بيتر ميمى، كما فى حالة ثلاثية «الاختيار» و«الحشاشين» و«صحاب الأرض»، يُبدع بيتر ميمى ويُظهر إمكانياته الحقيقية، إذ يضطر إلى إيجاد أسلوب واختيار حلول أصيلة تناسب هذه النصوص. وأعتقد أنه قد آن الأوان لكى يكف عن الاقتباس نهائياً، سواء على مستوى النص أو الصورة.. إذ وقتها تتجلى موهبته كأفضل ما يكون.