أحمد أمين.. «النُّص» كوميديا مداعبة العقل

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

مع التنوع المدروس الذى اتسمت به دراما الموسم الرمضانى 2026 بين ملفات وطنية، قضايا اجتماعية، إنسانية. توجد رؤية شاملة طرحت بصدق وجرأة مختلف زوايا اهتمامات المشاهد. وتظل لمساحة الكوميديا مكانة خاصة بين أعمال دراما رمضان، ينتظرها المتلقى بشغف.. فى تفاعل يستهوى شريحة كبيرة من المشاهدين.. تطوف ابتساماتها مع التفاف أفراد الأسرة حول أكواب الشاى والحلوى أثناء الحرص كل رمضان على متابعة أعمال الزعيم عادل إمام وغيره من نجوم الكوميديا. أعمال كانت تمثل أحد طقوس البهجة فى الشهر الكريم أياً كان تصنيفها.. كوميديا الموقف، كوميديا ساخرة، كوميديا رومانسية، كوميديا سياسية.

مسلسل النُّص الجزء الثانى يطرح رؤية فنية قائمة بذاتها، جمعت فى عمل درامى بين مختلف تصنيفات الكوميديا. صاغها بمهارة ثنائى التأليف شريف عبدالفتاح وعبدالرحمن جاويش فى سياق متجانس وضع الكوميديا داخل أحداث وأجواء تاريخية. محطات لم يتوقف عندها المؤلفان عشوائياً. لكنها تعكس رصد لحظات فارقة من تاريخ مصر فى صياغة غير مباشرة أو حوار خطابى. سرد انسيابى يوضح الرسالة عبر نبذة مختصرة، معلومة عن إنشاء أهم المشاريع، المستشفيات، الجمعيات، أحداث تمس شخصيات من التاريخ، لعل أبرز هذه النقاط التى أشار إليها ضمن أحداث المسلسل فى نهاية الحلقة الثامنة اغتيال العلماء المصريين على يد الأجهزة الاستخبارية الصهيونية. معادلة درامية تتضافر فيها كل عناصر التشويق ضمن إطار كوميدى غير تقليدى. فى الجزء الثانى مسلسل النُّص لا يعتمد على كتاب مذكرات نشال الذى عرض العام الماضى عن الكتاب الذى قدمه كعمل أدبى الباحث أيمن عثمان. الجزء الثانى يستكمل رحلة عبدالعزيز النص وسط دائرة أكثر تعقيداً مقارنة بأغلب الأحداث الواقعية التى ظهرت فى الجزء الأول. بُعد درامى جديد بين رحلة تورط «النص» مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية من جهة، وتعاونه مع أجهزة الأمن الوطنية لخدمة قضية وطنه من جهة أخرى. هنا ينطلق البناء الكوميدى لفكرة العمل الرئيسية خلال المواقف الناتجة عن المفارقات مع تسلسل الأحداث.

الأداء المتناغم بين جميع أبطال العمل فى تجسيد بارع للمواقف غير المتوقعة خلق الضحك بعفوية محببة دون افتعال أو مبالغة. أى عمل درامى يحمل اسم أحمد أمين أصبح دلالة على فنان اختار مساحة متفردة فى الأداء، تميز «أمين» يكمن فى لمسة البعد الإنسانى وهو يزرع الابتسامة على وجه المشاهد. أداء عفوى منضبط لا يسعى إلى ارتجال الضحك إنما يستثمره عند توظيف الأداء لخدمة الموقف الكوميدى. أحمد أمين طاقة من الإبداع مع كل عمل تكتمل محطات النضج الفنى عنده. هو ليس كوميديان بالمعنى الدارج للوصف لكنه يدمن الانطلاق من الكوميديا إلى مساحات إنسانية تستدعى مشاعر التعاطف ودعوة المتلقى إلى حدود تتجاوز مجرد الرغبة فى إضحاكه. على ذات المستوى فى التميز الوصدق ظهرت روعة الأداء الجماعى، برع جميع أبطال العمل دون استثناء ومنهم -على سبيل المثال لا الحصر- أسماء أبواليزيد، صدقى صخر، عبدالرحمن محمد، حمزة العيلى، بسمة، ميشيل الميلاد، دنيا سامى، مصطفى عباس فى دور سامى، وآخرون.

تسكين المخرج حسام على لكل ممثل مهما بلغت مساحة ظهوره -حتى مع الظهور المميز للممثلة عارفة عبدالرسول فى دور «ماتيلدا»- عزز قوة عناصر العمل حين أظهر رؤية استثنائية للمخرج مع كل مشهد يستعرض بإبداع وصدق لقطات معبرة خلال التنقل بين أجواء الطبقات الاجتماعية المختلفة فى الفترة الزمنية التى تدور خلالها أحداث المسلسل. حسام على قام بإدارة حركة الكاميرا بمهارة وتقنية عالية فى تناغم مع السرد التاريخى والإشارات التى عمد كتاب العمل إلى التركيز على إيصالها للمتلقى.

مسلسل النص الجزء الثانى يقدم هذا العام حالة متكاملة من الإبداع الكوميدى الذى يسهم فى تعزيز الفهم وتحفيز الوعى بعيداً عن مغازلة تحقيق الانتشار... رسائل تربط بأسلوب غير مباشر التاريخ بالحاضر فى إشارات سياسية، اجتماعية، تاريخية تتسلل إلى عقل المشاهد بانسيابية لتبرع فى إعطاء المعلومة فى نسق من المتعة. إذ رغم التنويه فى ختام كل حلقة «هذا المسلسل من وحى التاريخ ولكن».. إلا أنه من الإنصاف اعتباره سرداً لمجموعة من المعلومات التاريخية والوثائقية المستمدة من الواقع الفعلى للحقبة التى يتناولها العمل.