مصطفى حمد يكتب: «حكاية نرجس».. ومدرسة ريهام عبدالغفور

كتب: محرر

مصطفى حمد يكتب: «حكاية نرجس».. ومدرسة ريهام عبدالغفور

مصطفى حمد يكتب: «حكاية نرجس».. ومدرسة ريهام عبدالغفور

مشاعر مختلطة، تفاصيل دقيقة، أداء تمثيلى تخطى إيقاع مسلسلات «الوجبات السريعة» و«الإعجاب اللحظى»، وصراع جاذب من بداية الحلقات حتى آخرها. تناقضات لا تستطيع تجاوزها بسهولة، وتترك أثرها فى ذاكرتك؛ هكذا فرض مسلسل «حكاية نرجس» نفسه بوصفه تجربة درامية مختلفة، وبات علامة فارقة فى الأعمال التى اهتمت بقضايا المرأة وهمومها وأحلامها وخفايا عالم اقتربت منه ريهام عبدالغفور، وقدمته على الشاشة بوعى يبرز الصراع الإنسانى، وبحرفية شديدة بعيداً عن النمطية.

ما تقدمه ريهام عبدالغفور من خلال مسلسل «حكاية نرجس» يمكن اعتباره ملامح لمدرسة تمثيلية خاصة، سنشهد صداها فى السنوات المقبلة. فهى صاحبة أداء يضع المشاهد أمام دوافع الشخصية ومشاعرها وتناقضاتها، وهشاشتها وتحولاتها، معتمدة على أسلوب فنى يستعيض عن الحوار بالنظرة وتعبيرات الوجه ولغة الجسد، لتشكل زخماً رمزياً حول صورة المرأة وعلاقتها بواقعها الأسرى والاجتماعى وصياغة حالة شعورية متكاملة.

وهنا، فى «حكاية نرجس»، تفوقت ريهام عبدالغفور على نفسها وخاضت غمار شخصية جديدة تعانى اضطراباً نفسياً بسبب جدار أقامه ظرف صحى استثنائى، وهو عدم قدرتها على الإنجاب؛ فكانت مباراة تمثيل تقدم خلالها دور امرأة تريد أن تعيد علاقتها بالعالم بطريقتها، وتنزلق قدمها إلى عالم الجريمة، فتفشل فى ترميم حلمها ونسجه، لتكون النهاية مأساة. وتترك بأدائها تساؤلات داخل المشاهد: هل هى ضحية للمجتمع ونظراته وألسنته؟ أم مجرمة مسئولة عن أفعالها، لا يبرر ما عانته فعلتها؟

وبتتبّع الأحداث، وبهذا الفهم السابق، يعزز المسلسل فرضية كونها ضحية عبر سياق اجتماعى ضاغط، فنجد أن أول ما يخدم هذا الطرح معاملة أمها القاسية، وتفضيلها لشقيقتيها عليها، و«الرفض» الذى حوَّل نرجس من ضحية إلى مجرمة، كان المحرك الأساسى للتطور الدرامى. فرفضها أن تكون زوجة ثانية، وأن تُوصم بعدم الإنجاب، كان سبباً فى تحريك الأحداث للزواج من «عونى»، كما أن رفض دار الأيتام أن تتبنى طفلاً كان بداية طريقها فى لجوئها إلى «نعمة»، إحدى مشرفات الدار، لشراء طفل منها. وكل ذلك أوصلها إلى خطف أول طفل من بائعة السوق، وبالتبعية كان سبباً لرضوخها لمطالب زوج أختها «سعد» فى النهاية.

ومع كل تطور مفاجئ فى الأحداث، تجعل ريهام عبدالغفور المشاهد فى حالةٍ من التعاطف حيناً، ومن الحنق على فعلتها أحياناً. ولا أصدق دليلٍ على ذلك من مشهدين: الأول، وقوف «نرجس» أمام أحد مقامات أولياء الله، وهى تبكى راجية الله أن يعاقبها هى بدلاً من الطفل الأول، بعد سوء حالته الصحية، وذهابها إلى والدته الحقيقية وإعطائها أموالاً، كأنها تبرر لنفسها ما فعلته. وإن كان ذلك لا يبرر توبتها، فإنه يعكس جزءاً من إحساسها بالذنب ومحاولة التطهير، ما جعل المشاهد يشعر بالشفقة عليها. وعلى النقيض تماماً، يظهر الجانب المظلم فى الشخصية؛ من خلال لحظات نفسية شديدة القسوة، مثل مشهد وفاة عارفة عبدالرسول، بعدما تركتها «نرجس» تواجه الموت، إذ رفضت إعطاءها البخاخة الخاصة بأزمة التنفس، ليكشف السلوك العدوانى، إلى جانب الحيلة التى لجأت إليها بكذبها على زوجها وخداعه بأنه السبب فى عدم الإنجاب، ليوافق على أفعالها. وكذلك مشاهدها فى خطف الأطفال، والطرائق الشيطانية التى نصبت بها الفخاخ لضحاياها دون أى شعورٍ بالندم، ليرجح كل هذا أنها مجرمةٌ لا تستحق التعاطف.

وتبرز قوة أداء ريهام عبدالغفور فى مشاهد بعينها، تتأرجح بين الندم؛ من لحظات الانكسار ومحاولة التكفير عن الذنب والرجوع عن الطريق بالتوقف عن خطف الأطفال لولا تهديدات «سعد»، إلى لحظات الانخراط الكامل فى الجريمة دون شعور بالمسئولية. هذا التناقض هو ما يمنح الشخصية بعدها الإنسانى، ويجعلها أقرب إلى الواقع منها إلى النماذج الدرامية الجاهزة.

نجحت ريهام عبدالغفور فى تجسيد ثنائية «الضحية/المجرمة»، وحمل عبء إبراز تطور الشخصية، وأمسكت بخيوطها بكل إتقان، حتى أصبحت كل مشاهدها فى المسلسل «أيقونية» بلا استثناء. كما استطاعت تحقيق هدف الفكرة العامة من المسلسل، التى حاول المخرج إيصالها بدءاً من التتر، الذى يُقدَّم كرسالة عتاب من نرجس إلى المشاهد، تقول فيها: «أنا مش بريئة، وعارفة إن أنا مذنبة، بس إنتوا برضه مكنتوش أسوياء، موتوا فىَّ الحتة الطيبة، ومن البجاحة بتعملوا أبرياء». وهى ازدواجية تتجاوز حدود الحكاية، لتلامس جوهر التجربة الإنسانية وتُحيلنا إلى تعقُّد تبادل الأدوار داخل الشخصية الأساسية فى العمل بين ظروف المجتمع والخيارات الذاتية.