أشرف غريب يكتب: أصحاب نظرية «الصدمة»!
أشرف غريب يكتب: أصحاب نظرية «الصدمة»!
فى شهر رمضان من كل عام حينما تحتشد الأعمال الدرامية على الشاشات، ويتزاحم المتنافسون على كسب ود المشاهد تتهيّأ الأجواء حقاً لمن يريد التميّز، حتى رغم كل هذا الزحام، وحينما يكون طقس الفرجة التليفزيونية غالباً على السلوك العام فى أيام الشهر الكريم ولياليه يجد الفنان الحقيقى فرصته السانحة كى يبرز قدراته شاحذاً كل أدواته كى يُحقّق هذا الهدف المنشود.. واحدة من هذه الأدوات أو الأساليب تكمن فى أن يفاجئ الممثل جمهوره بما لم يكن يتوقعه منه، أو قل يصدمه باختياره شخصية غير متوقعة وأداء يخالف النمط الذى اعتاد عليه، وهو ما اصطلح على تسميته بتغيير الجلد أو تجديد الدماء، ما يتيح له إطالة عمره الفنى، وشق دلتا جديدة لنهر عطائه الفنى، وربما كان هؤلاء جميعاً يضعون أمام أعينهم تجربة الفنان الراحل فريد شوقى، صاحب أطول تجارب الممثلين عمراً، وملك التحولات الفنية على مدى المشوار الطويل، من أدوار الشر الخالص فى البدايات، إلى الأدوار الرمادية فى مرحلة تحوّله التدريجى، إلى مرحلة الأدوار الخيرة المدعومة بالقدرات البدنية لوحش الشاشة، ومنها فجأة إلى أدوار الكوميديا التى أهله نجاحه فيها لأن يصبح البطل الأول لفرقة الريحانى المسرحية، ثم فجأة يتحول وحش الشاشة إلى أسد منكسر حين يتحول مع تقدم العمر إلى مجموعة الأدوار الإنسانية التى استدرت دموع المشاهدين قبل أن يصبح أحد حيتان السوق فى زمن الانفتاح وأبرز جلاديه، وخلال كل هذه الرحلة الطويلة وتلك التحولات حافظ فريد شوقى على نجوميته وتصدّره مقدمة أى عمل يشارك فيه بفضل مفاجأته لجمهوره بما لم يكن يتوقعه منه أحد.
وفى دراما رمضان هذه السنة، حاول كثيرون مفاجأة جمهور الشاشة بتلك الاختيارات غير المتوقعة التى وصل بعضها إلى حد الصدمة، ووضع قدراتهم على المحك فى رحلة بحثهم عن تغيير الجلد أو تجديد الدماء، صحيح أن درجة النجاح -حين ننظر الآن إلى تجاربهم بعد نهاية الشهر الكريم- قد تفاوتت من ممثل إلى آخر، لكن من المؤكد أن اختيارهم غير المألوف وأداءهم غير المعتاد قد لفت الانتباه، بل وأثار الدّهشة فى بعض الأحيان، والأمثلة على هؤلاء كثيرة.
خذ لذلك مثلاّ الفنان القدير ياسر جلال الذى أبهرنا فى السنوات الماضية بمجموعة من الأدوار الجادة، فإذا به هذه السنة يفاجئ جمهوره بدوره فى حلقات «كلهم بيحبوا مودى»، تأليف أيمن سلامة، وإخراج أحمد شفيق، وهو ينحو ناحية الكوميديا الخفيفة، فى أداء راقٍ أظهر قدرات فنية جديدة لم يكن صاحبها قد وضعها من قبل فى محل اختبار أمام جمهور اعتاد عليه فى نوعية أخرى من الأدوار، وفى المقابل هناك تجربة الفنان شريف منير الذى جسّد بأداء لافت شخصية ثعبانية شديدة المكر والحنكة فى مسلسل «رأس الأفعى»، تأليف هانى سرحان، وإخراج محمد بكير، فى جرأة يُحسد عليها حين قبل القيام بتمثيل شخصية محمود عزت المرشد الحقيقى لجماعة الإخوان المسلمين، وهو فى النهاية اختيار غير مألوف فى مشوار شريف منير، وربما كان اختيار ماجد الكدوانى لدوره فى مسلسل «كان يا ما كان» تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل اختياراً مختلفاً هو الآخر، حيث أدى شخصية رجل مسالم أقرب إلى المثالية يستطيع امتصاص الصدمات العائلية من دون أى رد انفعالى، وهو على أى حال أداء غير تقليدى من ماجد الكدوانى الذى ألفناه، إما كوميدياناً وإما شخصية رمادية قد تجنح حتى نحو الشر.
وهل رأيتم الفنانة درة قبل مشاركتها فى حلقات «على كلاى»، تأليف محمود حمدان، وإخراج محمد عبدالسلام تقدّم أداءً انفعالياً وتمثل «بالعين والحاجب» والصوت المرتفع فى شخصية «ميادة الدينارى»، التى تتحول من المرأة المحبة التى تتمنى رضاء زوجها، إلى ذلك الكيان الباحث عن الانتقام ممن تحبه مهما كلفها ذلك؟ أو تابعتم هند صبرى فى «مناعة»، من تأليف عباس أبوالحسن وعمرو الدالى، وإخراج حسين المنباوى، وهى تتقمص دور واحدة من أكبر تجار المخدرات وإمبراطورة الباطنية، حى المخدرات الأشهر؟ لقد عودتنا هند صبرى منذ بطولاتها الأولى فى «صمت القصور» و«مذكرات مراهقة» على تقديم أدوار أقرب إلى البراءة والمثالية، فهل أرادت حقاً أن تصدم جمهورها وهى تؤدى هذه الشخصية المنحرفة سلوكياً؟ والأمر ينطبق أيضاً فى «مناعة» على الفنان الشاب محمد أنور نجم مسرح مصر الذى تخلى عن قدراته الكوميدية ليُقدم دور أحد تجار المخدرات فى مملكة هذه المناعة، وهناك كذلك الممثل الشاب أحمد مجدى الذى دأب على الظهور فى ثوب الـ«جان الوسيم» الأقرب إلى الرومانسية فإذا به يتحول إلى رجل انتهازى مُنحرف ومستفز فى حلقات «الست موناليزا» أمام مى عمر، وتأليف محمد السيد بشير، وإخراج محمد على.
غير أن كل هؤلاء فى كفة، وريهام عبدالغفور فى كفة أخرى، لقد صدمت ريهام بالفعل جمهورها وهى تختار تقديم شخصية نرجس بكل تحولاتها الدرامية وانفعالاتها الداخلية وانعكاس ذلك على تعاملاتها مع الآخرين من حولها، إذ كيف لهذه الفنانة التى اعتدنا منها أداء الشخصيات الرقيقة فى أغلب الأحيان أن تقبل بأن تؤدى دور شخصية منحرفة سلوكياً، تخطف الأطفال من أسرها، وتنسبهم إلى نفسها دون وازع من ضمير أو رحمة بمعاناة تلك الأمهات التى راح منها فلذات أكبادهن؟ وربما ما زاد من صعوبة أداء ريهام عبدالغفور للدور فى «حكاية نرجس» أن مؤلف الحلقات عمار صبرى ومخرجها سامح علاء قد وجدا لها مبرراً درامياً لمثل هذا السلوك المنحرف والإجرامى، فكان عليها أن تؤدى فى آن واحد، وبوعى تام، دور الجانى والضحية معاً، وتحافظ على تلك الشعرة بين انفعالاتها فى الحالتين فى أداء تمثيلى عالٍ ومختلف حتى على قدرات ريهام عبدالغفور السابقة، مما أدى إلى حيرة المشاهد وهو يتابع هذه الشخصية المعقّدة: هل يدينها باعتبارها منحرفة أتت بما يعاقب عليه القانون والأخلاق، أم يتعاطف معها، باعتبارها ضحية مجتمع ضاغط لا يرحم، وامرأة فى النهاية تناديها عاطفتها كى تُشبع أمومتها المفقودة؟
الصعوبة الأخرى أنها لم تكن تُؤدى فقط شخصية معقّدة مكتوبة على الورق، وإنما كانت تؤدى أيضاً شخصية كانت حتى سنوات قليلة مضت أمام أعيننا هى شخصية «عزيزة» أو «بنت إبليس»، كما سمّاها الإعلام، فإذا باختيار ريهام عبدالغفور يدفعنا لاستدعاء تفاصيل القصة الحقيقية لابنة إبليس التى انتهى بها الأمر إلى الانتحار هرباً من كل شىء، من ضغوط المجتمع ومن ماضيها المذرى، ومن قدرتها على مواجهة الواقع الجديد، حتى إن رواد مواقع التواصل الاجتماعى يعيشون حالياً حالة من عدم القدرة على الفصل بين عزيزة الحقيقية ونرجس بطلة الحلقات، وهم فى الحالتين لا يستطيعون تحديد موقفهم بين التعاطف والإدانة لكلتا المرأتين، للدرجة التى تجعلنى أتساءل فى حيرة أنا الآخر: هل كان صناع «حكاية نرجس» على صواب حينما أوجدوا ما يُبرر للمشاهد تعاطفاً حقيقياً مع مأساة امرأة هى فى النهاية شخصية منحرفة سلوكياً، حتى لو كانت تعانى اضطراباً نفسياً، أم أنهم أرادوا التأكيد على مقولة أن الإنسان يولد صفحة بيضاء لا تحكمه نوازع الشر حتى يدفعه الآخرون وضغوط الحياة إلى تسويدها بيديه؟
على أى حال فقد نجحت ريهام عبدالغفور فى تحقيق الصدمة التى أرادتها، وأظنها بعد هذا الدور قد وُلدت فنياً من جديد، واستطاعت تجديد دمائها ومنح تجربتها إكسيراً دافئاً سوف يعينها فى قادم مشوارها، وليست هى فقط، وإنما كل من لعب على فكرة المفاجأة والصّدمة، وهو ما سوف تُثبته تجربة هؤلاء فى الأعوام القادمة.