«الصحة»: مليون مصاب بمرض التوحد.. و1% نسبة انتشاره عالميا

كتب: كريم روماني

«الصحة»: مليون مصاب بمرض التوحد.. و1% نسبة انتشاره عالميا

«الصحة»: مليون مصاب بمرض التوحد.. و1% نسبة انتشاره عالميا

اضطراب نمائي يصيب الشخص مدى الحياة، ويؤثر على طريقة تواصله وتفاعله الاجتماعي مع الآخرين، وعلى نمط سلوكه واهتماماته؛ هكذا يُعرِّف العلماء التوحد أو اضطراب «طيف التوحد»، الذي يُعتبر طيفًا لأن أعراضه ودرجاته تختلف بشكل كبير من شخص لآخر، مما يعني أن كل حالة فريدة وتتميز بأعراض خاصة.

صعوبات متعددة

بحسب الدراسات العلمية، تظهر علامات التوحد في الفترة من 24 إلى 30 شهرًا، وتشمل صعوبات في التواصل اللفظي وغير اللفظي، حيث قد يتأخر الكلام أو يغيب تمامًا، مع صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية وتعبيرات الوجه. كما يعاني المصابون من صعوبات في التفاعل الاجتماعي، مثل عدم القدرة على تكوين الصداقات أو فهم القواعد الاجتماعية غير المعلنة.

في البداية، تقول الدكتورة إيمان جابر، نائب رئيس الأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة والسكان، إنه لا يوجد سبب واحد يمكن القول إنه سبب التوحد، فالعوامل الوراثية قد تكون أحد الأسباب وليست كل الأسباب، مؤكدة أن منظمة الصحة العالمية حددت مدى انتشار هذا المرض بنسبة 1%.

وأضافت «جابر» أن هناك بعض الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، تؤكد أن عدد المصابين لديها طفل واحد من بين كل 36 طفلًا، خاصة أن اضطراب طيف التوحد له أكثر من حالة (بسيطة، وشديدة، وشديدة جدًا)، وهذا يؤكد أن نسبة الـ«1%» ليست جميعها متشابهة. وأشارت إلى أن هناك بعض الحالات تُولد بشكل طبيعي وتبدأ علامات التوحد بالظهور عليها بعد إتمام 18 شهرًا، فيحدث تأخر في اكتساب المهارات ويظهر المرض، لافتة إلى أن بعض النظريات تؤكد أن اضطراب طيف التوحد قد يكون نتيجة الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأم أثناء فترة الحمل، وأخرى تقول إن السبب قد يكون نقص بعض الفيتامينات.

نسب الشفاء من المرض

وعن نسب الشفاء، أكدت أنه لا توجد نسبة تعافٍ نهائية من هذا المرض: «لأنه ببساطة المهارات التي من المفترض أن يكتسبها الطفل لم يكتسبها». وهنا دائمًا ما يُنصح بضرورة الاكتشاف المبكر عند سن عام ونصف، لأن العلاج السلوكي هو الأفضل لتحسين مهارات التواصل: «هناك دواء ظهر في أمريكا، لكن لا يمكن القول إنه فعال بنسبة 100%».

ونوهت بأن وزارة الصحة بدأت اتخاذ إجراءات مهمة في هذا الشأن، تمثلت في توفير برامج تأهيلية للأهل والأطفال في محافظات القاهرة وأسيوط وسوهاج، متابعة: «عندما تأتي الأم بالطفل من أجل التطعيمات، نبدأ بتقديم برنامج خاص بالتوحد وكيفية التعامل معه»، مؤكدة أن الوزارة تستهدف مضاعفة المراكز العلاجية وزيادة عدد المتخصصين القائمين على هذا المجال.

وحول تفاصيل البرامج التي يتم توفيرها للأهل، أكدت أن هذه البرامج تشتمل على 9 جلسات يتم فيها تعليم الأهل المهارات الأساسية وكيفية التعامل مع الأطفال لتحسين مهارات التواصل، متابعة: «نزودهم بكل المعلومات الكافية للعلاج»، كما توفر الوزارة المنصة الوطنية للصحة النفسية التي يمكن التقديم عليها مجانًا للكشف على الطفل.

من جانبها، ترى الدكتورة ريهام محيى الدين، أستاذ علم النفس بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ورئيس قسم بحوث التعليم والقوى العاملة، أنه من السمات البارزة لمصابى التوحد تكرار أنماط سلوكية، مثل: الاهتمام بموضوعات محددة، والإصرار على الروتين اليومى الثابت مع مقاومة شديدة لأى تغيير قد يطرأ عليه، كما أن نسبة كبيرة منهم لديهم نمطية تناول أنواع محددة من الأطعمة دون غيرها، كذلك كثيراً ما يعانى المصابون بالتوحد من الحساسية المفرطة للمؤثرات الحسية، مثل: الأصوات العالية، الأضواء الساطعة أو بعض الأشياء الملموسة، مما قد يسبب انزعاجاً شديداً.

عدد المصابين بمرض التوحد

وحول نسبة أو عدد المصابين بمرض التوحد عالمياً ومحلياً، أكدت «ريهام» أنه عالمياً تشير إحصاءات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها «CDC» فى الولايات المتحدة عام 2023 إلى أن حوالى 1 من كل 36 طفلاً يُشخَّصون باضطراب طيف التوحد، بنسبة تقارب 2.8%، وفى مصر لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة وشاملة، لكن الدراسات المحدودة تُقدِّر نسبة الانتشار بما بين 1 إلى 1.5% من الأطفال (تقريباً 1 من كل 70 إلى 100 طفل).

وذكرت أنه يُقدَّر عدد المصابين فى مصر بنحو 800 ألف إلى مليون شخص، ويشمل الأطفال والبالغين، مع الإشارة إلى أن الكثير من الحالات لا تُشخَّص، خاصة فى المناطق الريفية.

أما بالنسبة لأكثر المحافظات إصابة أو عُرضة للإصابة، فأكدت الدكتورة ريهام محيى الدين أنه لا توجد دراسات مصرية تفصيلية تُحدد محافظات ذات نسب إصابة أعلى، لكن الملاحظات السريرية تشير إلى أن المحافظات الحضرية الكبرى، مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية، تُسجل أعداداً أكبر بسبب زيادة الوعى والتشخيص، وتركيز الخدمات الطبية والتشخيصية فيها، والكثافة السكانية المرتفعة، موضحة أن ذلك لا يعنى أن الانتشار أعلى وراثياً فى هذه المناطق، بل يعود الأمر لسهولة الوصول للتشخيص، ففى المناطق الريفية والصعيد قد تكون النسبة مشابهة لكن التشخيص أقل.

وحول ترتيب مصر بين الدول فى الإصابة بهذا المرض، تقول «ريهام» إن انتشار التوحد لا يُصنَّف حسب «ترتيب الدول»، لأن الاختلافات فى الإحصائيات تعكس غالباً فروقاً فى وعى التشخيص وجودة النظام الصحى، وليس اختلافاً حقيقياً فى النسبة الوراثية/البيولوجية، وتُعد مصر من الدول ذات نسبة التشخيص المتوسطة إلى منخفضة مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا، حيث تصل نسبة التشخيص إلى 2-3%، لكن الفجوة قد تضيق مع تحسن التشخيص فى مصر.

رفع الوعي المجتمعي بالمرض

وأشارت إلى أن التوحد يحتاج إلى استراتيجية وطنية تشمل رفع الوعى المجتمعى وتدريب الكوادر الطبية والتعليمية، ودعم الأسر مادياً ومعنوياً وتطوير مراكز التشخيص والتدخل المبكر.

تتسق مع جهود وزارة الصحة فى هذا الملف جهود وزارة التضامن الاجتماعى، حسبما وضحت مها هلالى، المستشار الفنى لوزير التضامن الاجتماعى لملف الإعاقة، مؤكدة أن الوزارة تهتم بدور التأهيل ودعم الأسر ضمن منظومة الإعاقة، وتهتم أيضاً بالاكتشاف المبكر داخل الحضانات لأن الحضانات تقع فى نطاق الإشراف والتنظيم التابع للتضامن، حيث يمكن رصد حالات لم تُكتشف بعد مبكراً، ثم تحويلها لمسار الصحة للتقييم، ودمج الصغار من ذوى التوحد فى الحضانات مع التأكيد على الأسرة أن الدمج لا يُغنى عن الاستمرار فى التدخلات المتخصصة، بل يُكملها.

وأكدت «هلالى» أن الوزارة تعمل على دعم الأسر عبر التوعية والإرشاد وربط المستحقين ببرامج الحماية الاجتماعية، وأخيراً إصدار بطاقة الخدمات المتكاملة كمدخل تنظيمى للحصول على حزمة مزايا وخدمات مقررة قانوناً للأشخاص ذوى الإعاقة.

وأشارت إلى أن وزارة التضامن الاجتماعى تستهدف بخدماتها كل المحافظات، من خلال شبكة المديريات ومكاتب التأهيل بالمحافظات، وهى خط التماس الإدارى مع الأسر، وإجراءات التأهيل وتقدير الإعاقة وربط الاستحقاقات بالخدمات، وأيضاً من خلال الحضانات والطفولة المبكرة لأن الحضانات تحت نطاق إشراف التضامن، فتطوير معايير الجودة والتأهيل داخل الحضانات يدعم الكشف المبكر والدمج للصغار فى المحافظات، وتوجد بروتوكولات/تحركات حكومية لتحسين جودة خدمات ما قبل المدرسة وتقييمها.

تقديم خدمات متخصصة للأسرة

كما تهتم الوزارة بالشراكة مع المجتمع المدنى محلياً من خلال التوسع فى المحافظات، الذى يعتمد غالباً على «دعم/ترخيص/تنسيق» مع جمعيات ومراكز قائمة داخل كل محافظة لتقديم خدمات تخصصية أقرب للأسر بدل مركزيتها فى القاهرة الكبرى.

ونوهت مها هلالى إلى أن الخدمات التى تُقدَّم مجاناً لأشخاص التوحد تختلف حسب الاستحقاق وتوافر الخدمة بالمحافظة، لكنها قد تشمل إجراءات التأهيل الاجتماعى ومكاتب التأهيل وربط الحالة بمنظومة الدعم، وبرامج الحماية الاجتماعية للأسر المستحقة وفق ضوابط الدولة، بجانب خدمات مدعومة تقدمها جمعيات أهلية أو مراكز متعاونة بحسب التمويل والتعاقدات المتاحة محلياً.