أشرف غريب يكتب: الموسم الرمضاني.. نظرة تأملية واجبة
أشرف غريب يكتب: الموسم الرمضاني.. نظرة تأملية واجبة
انتهى موسم المشاهدة التليفزيونية الرمضانية بكل صخبه وضجيجه، وحان الوقت لنظرة تأملية على كل ما فات من أجل رؤية مستقبلية على كل ما هو آت، نظرة تستند إلى معايير محددة تقيس مدى نجاح هذا الموسم بكل ما تم عرضه أثناء الشهر الكريم. وأول ما يلفت الانتباه هو استجابة صناع الدراما للتوجهات الرئاسية ولتوصيات اللجان ذات الشأن بالتخفف إلى حد كبير من مشاهد العنف والألفاظ الخارجة، ودراما الثراء الفاحش أو الفقر المبالغ فيه التي كانت تحرض على التمرد الأسري، فضلًا عن الانتباه إلى الإعلاء من سيادة القانون وفرض هيبة الدولة والبعد عن النزعات الفردية، وهي استجابة كان لا بد منها بعد أن وصلت الدراما المصرية في السنوات الأخيرة إلى مستويات لم يكن من الواجب التغاضي عنها. والآن دعونا ننطلق في نظرتنا التأملية للموسم الرمضاني المنتهي من السؤال الكبير: ما هو الغرض من تقديم أي منتج فني أو إعلاني؟
إذا كان الهدف هو تقديم سلة متنوعة من الأعمال الفنية تلبي احتياجات كافة أفراد الأسرة وتراعي تنوع اهتمامات أفرادها، فقد نجحت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في تقديم مجموعة من الأعمال الدرامية خاطبت اهتمامات كل أطياف المشاهدة. فمن كان يبحث عن الدراما الوطنية التوثيقية وجد ما يريد في أعمال مثل «صحاب الأرض» و«رأس الأفعى»، وهما عملان أشبعا الهم الوطني لرجل الشارع البسيط سواء فيما يتعلق بالبعد العربي الفلسطيني في الخارج، أو المؤامرات الإخوانية في الداخل وما تسعى إليه من زعزعة استقرار وأمن البلاد. ومن كان يبحث عن الكوميديا الخفيفة كانت ضالته في «كلهم بيحبوا مودي» و«فخر الدلتا» و«بيبو»، حتى لو كانت درجة الكوميديا لم تشبع عشاق المزيد من هذا اللون. ومن كان يريد الدراما الاجتماعية فيكفيه «كان يا ما كان» و«أب ولكن» و«نون النسوة»، وإذا كان يريدها اجتماعية ذات طابع تشويقي فهناك «حكاية نرجس» و«على كلاي» على سبيل المثال. أما إذا كنا نبحث عن الدراما العاطفية فهناك «اتنين غيرنا»، فضلًا عن خطوط درامية أخرى لا يخلو منها أي عمل آخر. فقط نتمنى على الشركة المتحدة أن تعطي في خططها القادمة للمسلسلات التاريخية ومسلسلات الأطفال اهتمامًا إضافيًا.
ولئن كان الهدف من أي منتج فني أو إعلامي هو إحداث التأثير والأثر، فدراما هذا العام كانت الأكثر نجاحًا بذلك الحراك السياسي الذي أحدثته حلقات «صحاب الأرض» و«رأس الأفعى»، أو الاجتماعي الذي أوجدته «حكاية نرجس» وكل الأعمال التي تناولت قضايا الطلاق وحقوق رعاية الأبناء وذوي الإعاقة وخاصة مرضى التوحد، بالإضافة إلى العنف ضد المرأة والجرائم الإلكترونية التي انتشرت على نطاق واسع بفعل التقدم التكنولوجي.
أما إذا كان الهدف هو الاستحواذ على أعلى نسب مشاهدة، فقد حققت شاشة المتحدة تفوقًا ملحوظًا لم تعكسه فقط الأرقام المسجلة، وإنما عبّرت عنه ردود الفعل تجاه هذه المسلسلات التي كانت حديث الناس طوال الشهر الكريم، ودعك من أرقام جهات إنتاجية أخرى تحدثت عن تفوق أعمال ربما لم يسمع عنها أحد.
وكان طبيعيًا أن ينعكس ذلك كله على البعد الاقتصادي للعملية الإنتاجية برمتها، بشقيها التسويقي والإعلاني، فلولا المستوى المتميز لتلك الأعمال لما كان هذا النجاح المحسوس في تسويق دراما رمضان هذه السنة على نطاق واسع، سواء كان للعرض الأول بالتزامن مع شاشات المتحدة، أو العرض الثاني بعد نهاية شهر رمضان. ثم ها هي المساحة الإعلانية المصاحبة لهذه الأعمال التي كانت تشهد اتساعًا زمنيًا ملحوظًا مع توالي عرض الحلقات يوميًا، ما يؤشر للإقبال الجماهيري المتزايد على متابعتها والتعلق بتفاصيلها المثيرة.
وأعتقد أن أحد أهم عوامل هذا الإقبال هو تخلص كثير من المسلسلات من حالة الترهل التي كانت تصيب مثيلاتها في السابق، وقدرتها على ضبط إيقاعها بشكل مشوق، وذلك بفضل التوسع في الاعتماد على المسلسلات ذات 15 حلقة بدلًا من مسلسلات الـ30 حلقة التي كنا نعتاد عليها في السابق، الأمر الذي ساعد أولًا في الحفاظ على إيقاع متواتر قادر على جذب المشاهد، وأعطى ثانيًا الفرصة لحضور مزيد من الأعمال التي أتاحت بدورها المجال للتنوع المطلوب، وكان في هذا ثراء واضح لشاشة المتحدة في الموسم الرمضاني المنتهي.