سجل حافل بالدموية.. كيف تحولت جماعة الإخوان من الدعوة إلى آلة صراع؟

كتب: محمد أباظة

سجل حافل بالدموية.. كيف تحولت جماعة الإخوان من الدعوة إلى آلة صراع؟

سجل حافل بالدموية.. كيف تحولت جماعة الإخوان من الدعوة إلى آلة صراع؟

على مدار ما يقرب من قرن، مرت جماعة الإخوان بتحولات عميقة نقلتها من إطار «الدعوة» الذي أعلنت عنه عند تأسيسها عام 1928 على يد حسن البنا، إلى كيان سياسي وأيديولوجي متشابك، يرى خبراء أنه لم يتردد في توظيف أدوات الصراع، بما فيها العنف، لتحقيق أهدافه، في مسار معقد كشف عن تناقضات واضحة بين الخطاب والممارسة.

في بداياتها، قدمت الجماعة نفسها كحركة إصلاحية تسعى إلى نشر القيم الدينية والأخلاقية داخل المجتمع، غير أن هذا الطابع سرعان ما تغير مع اتساع طموحاتها السياسية، حيث بدأت في بناء تنظيم أكثر انضباطًا، وظهرت مبكرًا ملامح العمل السري والتنظيم الخاص، الذي ارتبط بعمليات نوعية استهدفت خصومًا سياسيين ومؤسسات الدولة.

تطور المشهد السياسي

ومع تطور المشهد السياسي في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، دخلت الجماعة الإرهابية في مسار تصادمي مع الدولة، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث شهدت تلك المرحلة إعادة إنتاج خطابها، ليس فقط كتنظيم، بل كـ«تيار اجتماعي» واسع يسعى للتغلغل داخل المجتمع.

هذا التحول لم يكن عفويًا، بل اعتمد على استراتيجية مزدوجة: تنظيم محدود العدد شديد الانضباط، يقابله امتداد اجتماعي واسع يتبنى أفكاره أو يتعاطف معها دون انتماء تنظيمي مباشر، ما منح الجماعة قدرة على التأثير تتجاوز حجمها الحقيقي.

وفي هذا السياق، اعتمدت الجماعة على أدوات متعددة، أبرزها خطاب «المظلومية» الذي تحول إلى ركيزة أساسية في دعايتها منذ السبعينيات، حيث جرى تقديم رموزها، مثل سيد قطب، بوصفهم ضحايا لصراع سياسي، وهو ما أسهم في خلق تعاطف شعبي في بعض الفترات.

لم تكتفِ الجماعة بالعمل التنظيمي، بل سعت إلى التأثير في الوعي المجتمعي، عبر ما يمكن وصفه بإعادة تشكيل المجال الاجتماعي، من خلال التركيز على المظاهر الدينية، وتوسيع حضورها في المساجد والمناسبات الدينية، خاصة خلال شهر رمضان.

وعملت على بناء شبكات موازية من المؤسسات الخدمية، مثل الجمعيات الخيرية والمراكز التعليمية، التي قدمت خدمات حقيقية للمواطنين، لكنها في الوقت ذاته أسهمت في خلق بيئة اجتماعية واقتصادية تدور في فلك أفكارها، ما عزز من قدرتها على الانتشار والتأثير.

وبالتوازي، سعت الجماعة إلى إعادة صياغة الوعي العام، من خلال التشكيك في بعض الرموز السياسية والثقافية، ومحاولة تقديم بدائل جديدة تعبر عن رؤيتها، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية بما يخدم مشروعها.

مع اندلاع أحداث عام 2011، وجدت الجماعة فرصة تاريخية للوصول إلى السلطة، وهو ما تحقق عبر حزبها «الحرية والعدالة»، غير أن هذه المرحلة كشفت عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة.

فبدلًا من تبني سياسات توافقية، اتجهت الجماعة نحو تركيز السلطة، ما أثار حالة من الاحتقان الشعبي، خاصة مع تزايد المخاوف من إقصاء القوى السياسية الأخرى، وتراجع الاهتمام بملفات العدالة الاجتماعية والحريات.

ليس مجرد رد فعل ظرفي

ومع تصاعد الاحتجاجات ضد حكم الإخوان، دخلت الجماعة في مرحلة جديدة من التصعيد، حيث شهدت الشوارع مواجهات أسفرت عن سقوط ضحايا، ما عزز من صورة التنظيم كفاعل سياسي يلجأ إلى القوة في إدارة الأزمات.

هذا العنف لم يكن مجرد رد فعل ظرفي، بل كان حاضرًا في مراحل مختلفة من تاريخ الجماعة، سواء عبر التنظيمات الخاصة في بداياتها، أو من خلال الموجات التي أعقبت عام 2013، حيث شهدت البلاد عمليات استهدفت مؤسسات الدولة ورجالها.

وفي هذا السياق، أكد منير أديب، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، أن التنظيم نجح عبر تاريخه في «تغيير جلده» أكثر من مرة، متنقلًا بين الشعارات الدينية والعمل السياسي، وصولًا إلى تبني العنف كأداة رئيسية.

وأشار إلى أن مؤسس الجماعة أقر مبكرًا باستخدام القوة حين لا تجدي الوسائل الأخرى، وهو ما يعكس أن العنف كان جزءًا من التفكير السياسي للتنظيم، وليس مجرد خيار طارئ.

وأوضح أن الجماعة مرت بمراحل متعددة، بدءًا من «التنظيم الخاص»، مرورًا بفترات التخفي والعمل الخيري، وصولًا إلى ما وصفه بـ«إخوان الفرانشايز» في المرحلة الحديثة، حيث باتت أكثر مرونة في استخدام الأدوات، بما في ذلك التكنولوجيا.

وفي السنوات الأخيرة، أشار أديب إلى أن الجماعة اتجهت إلى توظيف وسائل حديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، في نشر الشائعات وتزييف الواقع، مستشهدًا بنماذج لمحتوى مفبرك استهدف مؤسسات دينية ورموزًا وطنية، في محاولة للتأثير على الرأي العام.

ولفت إلى وجود تناقضات في مواقف الجماعة، حيث تتبنى خطابًا عدائيًا تجاه بعض القوى الدولية، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى التقارب معها إذا اقتضت مصالحها، ما يعكس – وفق تقديره – براغماتية سياسية تتجاوز الشعارات المعلنة.