الجلد المفقود.. أزمة «بنوك الأنسجة» تهدد حياة مصابي الحروق
الجلد المفقود.. أزمة «بنوك الأنسجة» تهدد حياة مصابي الحروق
- مصابي الحروق
- بنوك الأنسجة
- الجلود البديلة
- مستشفى أهل مصر
- الحروق
- حياة مصابي الحروق
- الجلد المفقود
- الجلد البشري
- وزارة الصحة
- مستشفى أهل مصرمستشفى الحسين الجامعي
- مجلس الشيوخ
- النائبة أميرة صابر
- هبة السويدي
تحقيق- رؤى ممدوح:
في صباح ثاني أيام عيد الفطر عام 2022، كانت أسرة زينب حسين، تستعد لاستقبال المهنئين داخل منزلهم بمدينة منفلوط بأسيوط، دقائق قليلة فقط كانت كافية لتحويل البيت من مساحة للفرح إلى مكان متفحم يخيم عليه الصمت والذهول، بعد انفجار موقد غاز صغير داخل المطبخ، قبل أن تمتد النيران إلى الفرن الكبير وتشتعل ألسنة اللهب وتلتهم جسد السيدة الأربعينية.
لم تكن تلك اللحظة نهاية المأساة بل بدايتها، ففي ظل غياب بنوك الأنسجة، يرقد مصابو الحروق بين غرف الطوارئ وقوائم الانتظار، تتآكل فرص نجاتهم تدريجيا، ليس بفعل النيران وحدها، بل نتيجة نقص الجلود البديلة التي تُعد خط الدفاع الأول لإنقاذ حياتهم.
حروق والدة «إسلام» 80% وتلاشي طبقة الجلد
إسلام بدوي نجل المصابة، قال إنّ الانفجار كان مفاجئا، تبعه صوت قوي أشبه باهتزاز الأرض، ثم اشتعلت النيران سريعا داخل المطبخ، فيما حاولت «زينب» البالغة من العمر 43 عاما، السيطرة على الحريق، لكنها لم تتمكن من النجاة، حيث أصيبت بحروق شديدة في معظم أنحاء جسدها ونُقلت على وجه السرعة إلى مستشفى الإيمان العام بمدينة منفلوط.
يحكى الشاب العشريني أنّ والدته وصلت إلى المستشفى وهي تعاني من حروق تجاوزت نسبتها 80% من مساحة جسدها، وبمجرد أن شاهدها الأطباء فقدوا الأمل في نجاتها بسبب حالتها بالغة الخطورة: «قالوا لنا إن الحروق كبيرة جدا، وجسمها اتأثر بالكامل تقريبا ومفيش أي جزء منه ياخدوا ترقيع للجلد اللي اتحرق. وحسّينا إن الموضوع مسألة وقت وده اللي حصل للأسف».
وفاة «زينب» لم تكن مجرد حادث عرضي، بل واقعة كشفت عن فجوة كبيرة فى إمكانيات علاج مرضى الحروق فى مصر، حيث يسهم عدم توفير بنك للجلد البشري داخل المنظومة الصحية المصرية في زيادة الوفيات وتهديد حياة المصابين، نتيجة عدم إغلاق الجروح مؤقتا وارتفاع خطر الغزو الميكروبي.

وبعد نحو 48 ساعة من دخولها المستشفى، تقرر نقلها إلى الرعاية المركزة بأحد مستشفيات أسيوط، في محاولة لتقديم رعاية طبية أكثر تخصصا، إلا أنّ حالتها الصحية استمرت في التدهور، خاصة مع فقدان الجلد لوظيفته الطبيعية كحاجز يحمي الجسم من العدوى.
يشرح «إسلام» أنّ الجروح المفتوحة وتلاشي طبقة الجلد جعلت جسد والدته عرضة للبكتيريا بشكل سريع، ما أدى إلى إصابتها بعدوى بكتيرية حادة وتسمم في الدم، وبعد 4 أيام من الصراع مع الألم والمضاعفات، لفظت «زينب» أنفاسها الأخيرة ورحلت عن الحياة.
حالة السيدة الأربعينية واحدة من بين نحو 250 ألف حالة إصابة بالحروق سنويا في مصر، يعانون من درجات متفاوتة من الحروق، تتراوح بين البسيطة والمتوسطة والخطيرة، فيما تحتاج آلاف الحالات منهم إلى تدخلات جراحية معقدة ورعاية طبية طويلة داخل أقسام الحروق والعناية المركزة.
وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإنّ نسبة كبيرة من المصابين هم من النساء والأطفال، نتيجة حوادث منزلية متكررة مثل انفجار أسطوانات الغاز أو سوائل ساخنة أو الماس الكهربائي.
وتشير التقديرات الطبية إلى أنّ هذه الآثار مؤشرا خطيرا على حجم الأزمة الصحية والإنسانية، خاصة في ظل صعوبة توفير الجلد اللازم للعمليات الجراحية في الحالات الشديدة. وهو ما يجعل كثيراً من المرضى عرضة لمضاعفات خطيرة، من بينها العدوى وفقدان السوائل والتشوهات الدائمة، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى فقدان الحياة، إذا لم يتوافر التدخل الطبي السريع والإمكانات اللازمة لإنقاذهم.
ولا يزال مفهوم نقل الجلد إلى مصابى الحروق غامضا لدى قطاع واسع من المصريين، حيث تختلط المعرفة الطبية بالشائعات والمخاوف الدينية والاجتماعية، وفي ظل هذا الغموض يغيب إدراك أنّ الجلد المستخدم في هذه الحالات ليس تشويها للجسد، بل وسيلة علاجية مؤقتة تحمي المريض من العدوى وتمنحه فرصة للبقاء على قيد الحياة.
نائبة: قانون تنظيم زرع الأعضاء والأنسجة البشرية لم يُفعّل
وكمن ألقى حجرا في مياه راكدة، جاءت كلمات أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، حين طالبت الجهات المعنية بالموافقة على إنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية، حيث أثارت الفكرة جدلا واسعا وهجوما متواصلا واتهامات بالابتعاد عن الأولويات الوطنية.
«صابر» أكدت أنّ الهدف إنساني بالدرجة الأولى، لافتة إلى أنّ اقتراح تأسيس البنك وتيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة ليس جديدا، فالفكرة مطروحة منذ سنوات، لكنها عادت إلى الواجهة مؤخرا بعد حالة «إبراهيم».
عضو مجلس الشيوخ أوضحت أنّ ما اقترحته «مطلب شرعي» طبقا القانون رقم 5 لسنة 2010 الخاص بتنظيم زرع الأعضاء والأنسجة البشرية، إلا أنّ هذا القانون لم يُفعل عمليا منذ صدوره قبل نحو 16 عاما، بسبب غياب اللائحة التنفيذية والإطار القانوني المنظم لإنشاء بنوك للأنسجة البشرية وتشغيلها.

وأضافت أنّ بنوك الأنسجة غير موجودة حاليا بالشكل المطلوب، ما يستدعي إنشاء بنك وطني للأنسجة تكون له فروع في مختلف المحافظات، مشيرة إلى وجود احتمالية لبدء التجربة داخل منشآت طبية كبرى، مثل معهد ناصر، على أن يتم التوسع لاحقا في باقي المحافظات.
وأكدت أنّ التبرع بالأنسجة وعلى رأسها الجلد قد يسهم في إنقاذ حياة ما يصل إلى 8 مصابين في حالات الحروق الخطيرة، لافتة إلى أنّ نجاح هذا النظام يرتبط بتطبيق مجموعة من الضوابط الطبية والأخلاقية، في مقدمتها إنشاء سجل وطني للمتبرعين يضمن الشفافية ويحمي حقوق المتبرعين وذويهم.
وفيما يتعلق بالعقبات، أشارت «صابر» إلى أنّ التحدي الأكبر يتمثل في ضعف الوعي المجتمعي بقضية التبرع بالأنسجة، وما صاحب طرح المقترح من ردود فعل رافضة أو مشوِّهة للمفهوم، مؤكدة أنّ الأمر يتطلب دورا فاعلا للإعلام في توضيح الحقائق الطبية، إلى جانب موقف داعم من المؤسسات الدينية لتصحيح المفاهيم الخاطئة وطمأنة المواطنين.
ونفت النائبة أميرة صابر ما يتردد عن أنّ التبرع بالجلد يعني سلخ جسد المتوفى، موضحة أنّ هذا تصور غير دقيق، فيما شددت على البعد الإنساني والديني للفكرة، قائلة إنّ التبرع بالأنسجة فرصة حقيقية لإنقاذ أرواح مرضى الحروق، مستشهدة بالآية الكريمة: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»، معتبرة دعم هذا التوجه هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمؤسسات المعنية.
10 جراحات ناجحة زراعة جلد بشري بديل في مستشفى أهل مصر
هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، أوضحت أنّ الجلد الطبيعي هو جلد بشري يتم التبرع به بعد الوفاة، ويُستخدم في زراعة الجلد لمرضى الحروق الذين فقدوا مساحات كبيرة من جلدهم نتيجة الإصابة، ويعد هذا النوع من الزراعة حلا طبيا مؤقتا لكنه بالغ الأهمية، حيث يُستخدم لتغطية المناطق المحروقة إلى أن يتمكن جسم المريض من التعافي أو تصبح زراعة الجلد الذاتي ممكنة.
بيّنت أنّ «أهل مصر» كان أول مستشفى في المحروسة يبادر بتجربة استيراد الجلد الطبيعي، ففي ديسمبر الماضي سجلت مصر سابقة طبية باستقبال أول شحنة من الجلد البشري المجمد المخصص لعلاج الحالات الحرجة، في خطوة تهدف بالأساس إلى إنقاذ مرضى لم يكن لديهم أي بدائل علاجية أخرى، ووضع أساس عملي لحلول مستدامة في علاج الحروق داخل مصر.
ويلجأ الأطباء إلى عمليات زراعة الجلد الطبيعي عند الأطفال إذا تجاوزت نسبة الحروق 30% من مساحة الجسم، حينها يصبح ضرورة طبية، بينما يتم ذلك لدى البالغين عادة عند تجاوز نسبة 40%، لحماية الجروح من العدوى وتقليل فقدان السوائل إلى حين إمكانية إجراء الترقيع الذاتي لاحقا بشكل آمِن.

هبة السويدى: نستورد الجلد من بنوك أنسجة معتمدة دوليا
رئيس مجلس أمناء مستشفى أهل مصر كشفت عن مصادر الجلد الطبيعي، قائلة إنّ المستشفى يستورد الجلد من بنوك أنسجة معتمدة دولياـ تعمل وفق أعلى معايير الجودة والسلامة الطبية، وبينها بنك الجلد الأوروبي في هولندا، وبنك الجلد بالمملكة المتحدة، والجمعية الأمريكية لبنوك الأنسجة، وبنك الجلد الأسترالي، وتمر عملية الاستيراد من بلدانها حتى وصولها إلى مصر بمراحل عديدة، ففي البداية يتم شحن الجلود في درجات حرارة شديدة الانخفاض للحفاظ على سلامتها البيولوجية وجودتها العلاجية.
أكدت أنّ سرعة الإفراج الجمركي والنقل الآمن عنصر بالغ الأهمية، وأي تأخير قد يؤثر على جودة الجلد وقدرته على إنقاذ حياة المرضى، ثم يُنقل لحفظه داخل وحدات تخزين مخصصة في درجات حرارة تصل إلى -80 درجة مئوية، وهى الدرجة المعتمدة عالميا لحفظ الأنسجة البشرية ومنع تدهور خصائصها العلاجية، فيما يتطلب هذا النوع من الحفظ بنية تحتية تقنية متقدمة وإجراءات صارمة في النقل والتخزين، ما يؤكد الحاجة إلى إنشاء منظومة وطنية منظّمة لبنوك الجلد والأنسجة في مصر لضمان الاستدامة وسرعة التدخل الطبى.
«ممدوح»: 20 سنة بعاني وفتحوا بطنى علشان ياخدوا رقع جلد
حالة الشاب الثلاثيني ممدوح محمود، الذي كُتبت له النجاة بعد تعرضه لحادث حريق قبل أكثر من 20 عاما، نموذجا حيا لمعاناة طويلة لم تتوقف عند لحظة إنقاذه من الموت، بل امتدت آثارها لسنوات بسبب عدم توافر الجلد البديل في ذلك الوقت، فغياب إمكانية زراعة الجلد الطبيعي المتبرع به اضطر الأطباء للاعتماد على حلول محدودة، لم تكن كافية لحمايته من المضاعفات الجسدية والنفسية التي صاحبت إصابته، إذ لم يكن إنقاذ حياته نهاية القصة، وظل «ممدوح» يعاني لسنوات من تشوهات جسدية وتيبس في الأطراف وصعوبات في الحركة، نتيجة فقدان مساحات واسعة من الجلد وعدم وجود بدائل علاجية متقدمة.

وتعكس حالة الشاب كيف أنّ غياب منظومة متكاملة لبنوك الجلد في السابق لم يكن يعني فقط تهديد حياة المصابين بالحروق، بل كان يحرم الناجين منهم من فرصة حقيقية للتعافي الكامل والعودة إلى حياتهم الطبيعية دون معاناة مستمرة.
يحكي ممدوح عن معاناته وآلامه التي تلازمه طوال الوقت، بأنّ جلده يتشقق ويُعاد ترميمه باستمرار، فيما بدت أطرافه مشدودة ومقيدة الحركة، ويملأ الصديد جروحه الغائرة في الوجه والرقبة والذراعين والصدر، حيث يحمل آثار حريق طفولته بإصابات طالت 45% من جسده، حيث تعود تفاصيل القصة إلى عام 2001، حيث كان في الثامنة من عمره، حين وقع الحادث داخل دكان نجارة يملكه والده بمحافظة الإسكندرية وكان داخله رفقة شقيقه. حاول الأخير إشعال بعض الخشب لإنتاج الفحم المستخدم فى تبخير المكان، مستخدما مادة «السبرتو»، لم يكن يعلم أنّ لهبها غير المرئي لا يزال مشتعلا، فظن أنّ النار انطفأت وأعاد سكب «السبرتو» من القارورة الخاصة به، وفي لحظة واحدة التقطت النيران القارورة وانفجرت في وجهيهما، ما أدى إلى إصابة «ممدوح» بحروق بالغة في الجزء الأعلى من جسده بالكامل ما أدى إلى ذوبانه، فيما أصيب شقيقه، قبل أن يهرع الجيران إلى المكان ويحملوا الطفلين بعيدا عن النيران، إلا أنّ رحلة الشاب الثلاثينى لم تبدأ إلا حين نقل إلى المستشفى، حيث قضى أسابيع طويلة في العناية المركزة، فاقدا القدرة على الرؤية أو الكلام، فيما كان جسده الصغير يخضع لأول مواجهة مباشرة مع الألم الذي سيلازمه سنوات طويلة.

8 أعوام كاملة قضاها «ممدوح» في العلاج، خضع خلالها لنحو 16 عملية جراحية في مستشفيات الإسكندرية، بينها مستشفى الميري ومستشفى الطلبة ومستشفيات خاصة، يحكي الشاب عن أوجاعه التي اختبرها لأول مرة، حيث لا يزال جسده النحيل يحمل ندبات غائرة، واضطر الأطباء إلى إجراء عملية جراحية في بطنه لأخذ رقع، وذلك لعدم توفر أماكن كافية لأخذ الجلد بعد فتحها بخياطة تجاوزت الثلاثين غرزة، وزرعها في وجهه ورقبته ويديه وركبتيه، محاولةً إعادة بناء جسد لم يعد كما كان.
وتزامنت هذه الرحلة الطويلة مع سنواته الدراسية الأولى، فاضطر إلى استكمال الصف الثالث الابتدائي من المنزل، وحضر الامتحانات فقط بسبب حالته الصحية وحركة جسده المحدودة، يصف «ممدوح» طفولته بأنها كانت منقسمة بين الألم والأمل في التعافي، وبين الرغبة في العودة إلى حياة طبيعية: «لحد دلوقتي بحلم أرجع بكامل صحتي، وجلدي يرجع زي ما كان قبل الحادث».

ورغم مرور أكثر من 20 عاما، ما زالت آثار الحروق تحدد تفاصيل يومه، حركة يديه غير مكتملة، ورفعهما فوق الكتف يظل محدودا، وركبته لا تفرد بالكامل، فيما جلده المتجدد يتشقق بين الحين والآخر، ما يجبره على استخدام كريمات الترطيب والعلاج بشكل مستمر بتكلفة تتجاوز 1000 جنيه شهريا.
يحلم ممدوح بممارسة الرياضة والدخول إلى صالة الألعاب الرياضية، لكن جسده لا يسمح له بالتحرك بحرية كما يشتهى، يقول: «أوقات كتير بتكون الأدوية ناقصة ومش موجودة، ومعرفش لو عملية زرع الجلد البديل هتفيد في حالتي، بس نفسي أتحرك براحتي زي أي حد وأزرع دقن في الجزء المصاب من وشي اللي النار أكلته».
20 سريرا فقط بـ«الحسين الجامعي» لمصابي الحروق
وخلف الأبواب المغلقة لأقسام الحروق، تبرز صورة أخرى للأزمة، حيث يكشف الأطباء عن التحديات التي تواجههم في ظل نقص الإمكانيات الطبية، وكيف تتحول الجروح المكشوفة إلى تهديد مباشر للحياة في ظل غياب الجلد الواقي، حيث يشرحون علميا لماذا يُعد هذا الغياب أحد أخطر أسباب المضاعفات والوفيات.
صابر عبدالمقصود، أستاذ جراحة التجميل والحروق بكلية طب جامعة بورسعيد، والطبيب المقيم سابقا بمستشفى الحسين الجامعى، قال إنّ أبرز الفئات المعرضة للحروق هم الأطفال وربات البيوت والعاملون في المصانع والمطاعم، مشيرا إلى أنّ أبرز النواقص الطبية في المستشفيات تكمن أساسا في غياب معهد متخصص للحروق، وارتفاع تكلفة الغيارات التي تصل للشخص الواحد إلى 1000 جنيه يوميا، إضافةً إلى عدم توفر التبرع بالدم بشكل مستمر، وقلة عدد الأسرَّة المخصصة لهذه الحالات.
أوضح أستاذ جراحة التجميل أنّه في الفترة التي عمل بها في مستشفى الحسين الجامعي بين عامى 2005 و2011، لم يكن هناك رعاية مركزة خاصة بالحروق، حيث يحتاج المصابون إلى متابعة دقيقة، وكان هناك فقط 10 أسرَّة للرجال وأخرى مثلها للسيدات، بينما كان المستشفى يستقبل آلاف المصابين سنويا تتم إحالتهم إلى مستشفيات أخرى، مثل «سيد جلال»، بسبب نقص الاستيعاب والقدرة على العلاج.

أستاذ جراحة تجميل: لا توجد رعاية مخصصة للحروق التي تتجاوز نسبتها 50
أوضح «عبدالمقصود» أنّ زراعة الجلود البديلة تعتبر خيارا بيولوجيا مؤقتا وضروريا، ويتم في بعض الحالات استخدام مشيمة الولادة بعد إجراء الفحوصات الطبية وموافقة الأم والزوج، لتغطية الحروق الخطيرة وتسريع عملية التعافي قبل إجراء الترقيع الجلدي النهائي، وقال إنّ الأسباب الطبية الرئيسية للوفاة بين مصابي الحروق هي فقدان السوائل والعدوى البكتيرية نتيجة احتراق الجلد، كما أنّ ترك الجروح مفتوحة دون غطاء يزيد معدلات العدوى ويرفع خطر التسمم الدموي، خاصة لدى المصابين بحروق واسعة النطاق، وحال عدم توافر رقع جلدية لتغطية الجروح قد ترتفع معدلات الوفاة إلى أكثر من 90% خلال أول 10 أيام من الإصابة.
أستاذ الحروق: يجب تطبيق ضوابط طبية وأخلاقية وإنشاء سجل للمتبرعين
وأوضح أنّ الجروح غالبا ما تتلوث ببكتيريا «ستاف وأستريبت»، ما يؤدى إلى تأجيل عمليات الترقيع ويجعلها أكثر تعقيدا، كما يسهم بشكل كبير في زيادة معدلات الوفيات، مضيفا أنّ التبرع بالجلد من الأحياء ممكن ولا يؤثر عليهم، وأنّ تكلفة زراعة الجلد لا تكمن في العملية ذاتها، بل في استيراد الجلد البديل، مؤكدا ضرورة إنشاء بنك للجلد البشريى لتوفير بدائل آمنة، إذ إنّ عملية زراعة الجلد البديل ضرورية لتغطية الجروح لمدة تتراوح من 15 يوما إلى شهر، وخلالها يبدأ الجلد في الالتئام، بما يسمح لاحقا بأخذ رقع جلدية من المناطق التي تمت تغطيتها لإعادة استخدامها في الترقيع الذاتي، كما أنّهم في بعض الأحيان يقاومون أزمة عدم توافرها بالاحتفاظ بالجلد المستخرج من عمليات التجميل كشد البطن أو شفط الدهون للمرضى، وذلك بعد الحصول على موافقتهم وإجراء فحوصات طبية دقيقة، وحفظه في مادة الجلسرين في ثلاجات المستشفى بدرجة حرارة منخفضة «سالب 5»، إلا أنّ المستشفيات ليست مؤهلة للتعامل مع كميات كبيرة من الجلود البشرية البديلة، وهذه التقنية مناسبة خاصة للحالات التي تتجاوز نسبة الحروق لديها 50% من مساحة الجسم، وقد تكون حلا فعالا لتحسين الحركة وتقليل العجز الناتج عن تقلص الجلد بعد الحروق.
وأثبتت الدراسات أنّ المصابين الذين لا يتوافر لهم ترقيع جلدي فعال يقضون فترات أطول في العناية المركزة ويحتاجون لكميات مضاعفة من المضادات الحيوية والمحاليل الوريدية، ما يرفع تكلفة العلاج بنسب تصل إلى 300% مقارنة بالحالات التى تعالج بتقنيات بنك الجلد، كما أشارت إلى أنّه منذ اعتماد هذه التقنية عالميا عام 1949 مع إنشاء أول بنك ساهمت بشكل مباشر في خفض معدلات وفيات الحروق بشكل ملحوظ، ورفعت نسب النجاة لتتجاوز 90% بين المرضى الذين خضعوا للعلاج بهذه الطريقة.

وفوق أحد أسرّة مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، كان إبراهيم سعيد ممددا بجسده النحيل دون حركة، فيما يغلفه القماش الطبي الأبيض الرقيق بالكامل لا يظهر منه سوى وجه شاحب وأنفاس متقطعة لا تزال تحاول التشبث بالحياة، كان ذلك المشهد يختصر الحالة التي عاشها الطفل، صاحب الـ16 عاما على مدار أكثر من 80 يوما، يقول والده «الحاج سعيد» إنّه كان يقف أمام نجله عاجزا، تنهال دموعه فيما لم يكن بيده شيء يقدمه سوى انتظار معجزة من الله يجريها على أيدي الأطباء والجراحين لإنقاذ حياة «إبراهيم» الذي كان صوت أنينه لا ينقطع طوال الليل والنهار، ويحكي: «ده ابني الوحيد، وكل حاجة في حياتي، كان بين الحياة والموت، وخلال فترة وجودنا في المستشفى فيه حالتين كانوا شبه إصابته ويمكن أخف شوية كمان واتوفوا للأسف، وده كان مأثر عليه وعلينا، ونفسيتنا كانت تحت الصفر».

نسبة الحروق في جسد «إبراهيم» وصلت إلى 75%
يقول الأب الخمسيني إنّ تفاصيل الحادثة تعود إلى يوم 31 أكتوبر الماضي، حيث كان «إبراهيم» موجودا في محل الحلاقة الذي يعمل فيه بمركز أجا بمحافظة الدقهلية، وأثناء روتينه اليومي في تطهير أدوات الحلاقة باستخدام مادة «السبرتو» الكحولية أشعل الولاعة لتعقيم المقص والشفرات الحادة وماكينات إزالة الشعر، إلا أنّه لم يكن يعلم أن النار ستلتقط زجاجة «السبرتو» وتنقلب في لحظة إلى انفجار حوّل جسده إلى كرة من اللهب، قبل أن يحاول إطفاء نفسه بيديه، فركض إلى حوض المياه، لكن الماء زاد النار اشتعالا، وأثناء ركضه إلى خارج المكان التقطت إحدى الستائر لهب النيران فالتصقت بجسده وزادته اشتعالا: «بقى بيصرخ والناس اتلمت من كل الشوارع وبقوا بيطفوه بالتراب، وفيه راجل قلع جلابيته وبقى بيلفه بيها علشان النار تخمد».
بعد الحادث نُقل الصغير إلى مستشفى أجا المركزي بإصابات بلغت 75%، إلاّ أنّ التعامل داخل المستشفى لم يكن من خلال بروتوكول طبي، وساءت حالة «إبراهيم» للغاية، حيث تم غسل جروح الحرق التي لا تزال حرارتها مرتفعة بمحلول ملح لمدة 4 ساعات دون ترطيب، ثم غلف طاقم التمريض جسده بالشاش الطبي، ليكون نتيجة ذلك امتلاء جسد الشاب بالمياه والبكتيريا ومن ثم ارتفاع درجة حرارته وتعرضه للقيء المستمر، وإصابته بتسمم في الدم: «أول ما شُفت حالة ابني دي قُلت خلاص هيموت بين إيدينا لو فضلنا سايبينه كده، وقعدنا 9 ساعات كاملة ندور على مستشفى تقبل حالته عشان ننقله ليها ونحاول ننقذ حياته، وبعد 48 ساعة الحمد لله نقلناه مستشفى أهل مصر للحروق في القاهرة».
بمجرد وصول الأسرة إلى المكان كان الطاقم الطبي في حالة استعداد لاستقبال «إبراهيم»، وبعد توقيع الكشف أخبروا «الحاج سعيد» أنّ نسبة الحروق في جسد نجله وصلت إلى 75%، ليتم إيداعه في الرعاية المركزة لمدة 75 يوما، ووضعه لـ72 ساعة على جهاز التنفس الصناعي، حيث تسببت الإصابة بمشاكل صحية كبيرة في الرئتين: «كنت أدخل أشوفه كل يوم ملفوف بالشاش ومبيحركش غير عينيه بس».
خضع الشاب لـ35 عملية جراحية خلال تلك الفترة تنوعت بين التنظيف والكحت والغيار الكلي، عقب ذلك تم اتخاذ قرار بزراعة جلد بديل لـ«إبراهيم» وذلك لأن جسده كان متضررا للغاية ولم يكن هناك مكان كافٍ ليأخذ الأطباء منه جلدا لعمليات الترقيع.

ويقول الرجل الخمسيني: «بعد ما نسبة الحروق انخفضت من 75% لـ63% وبعدين لـ41% بفضل ربنا ثم التعامل السليم والعمليات والكريمات، الدكاترة قالوا لي موافق نعمل زراعة جلد بديل لابنك عشان ننقذ حياته قلت لهم أنا أثق فيكم واللي شايفينه مناسب وفي مصلحة ابني اعملوه، وبالفعل في شهر ديسمبر اللي فات دخل عمليات لمدة 8 ساعات تقريبا وزرعوا له جلد بشري مؤقت لمدة أسبوعين أو تلاتة وخرج ابني جسمه كله مترقع بالجلد البديل ومليان دبابيس عشان تمسك الجلد ده».
ويضيف: «الأطباء كمان شرحوا ليا إن بعد المدة دى الجلد البديل ده بيقع أو بتتم إزالته بعد ما بتكون المنطقة مكان الزرع اتعافت وبيقدروا ساعتها ياخدوا من الجلد ده ويرقعوا باقي المناطق المصابة»، لافتا إلى أنّه بعد إجراء تلك العملية انخفضت نسبة الحروق إلى 14%، ليتم عقب ذلك أخذ رقعة جلدية من جانبه لإجراء ترقيع آخر حتى وصلت النسبة إلى 5% فقط.
يقول الشاب المصاب «إبراهيم»: «ساعتها بس قدرت أتحرك وبقيت مصدق إني ماموتش ورجعت تاني للحياة من جديد»، فيما يقول «الحاج سعيد» بامتنان: «الدكاترة قالوا لي اللي حصل ده معجزة، إحنا أي مصاب بييجي بنسبة حروق من 20 لـ25% بنكون متوقعين وفاته في أي لحظة».

هبة السويدي: تكلفة العلاج بالجلد البديل تصل إلى نحو مليون جنيه للفرد
وكشفت الدكتورة هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، عن أنّ المستشفى نجح منذ بدء تجربة استيراد الجلد الطبيعي في إجراء 10 عمليات زراعة جلد طبيعي لحالات حرجة من الأطفال والبالغين كانوا يواجهون خطر الموت بسبب الحروق الشديدة، وأضافت أنّ كل عملية تمثل فرصة حقيقية لإنقاذ حياة المريض ومنحه أملا جديدا في الشفاء وتحسين جودة حياته.
وحول تكلفة العلاج، قالت «السويدي» إنّها مرتفعة للغاية، وتصل في المتوسط إلى نحو مليون جنيه للفرد الواحد، وفق شدة الحروق ومدة الإقامة في العناية المركزة وعدد العمليات المطلوبة، وقد تتجاوز هذا الرقم في بعض الحالات، وضربت مثالا بحالة الطفل إبراهيم سعيد، حيث بلغت تكلفة العملية التي خضع لها باستخدام الجلد الطبيعي المستورد من الخارج نحو 3 ملايين و600 ألف جنيه، مؤكدة أنّ هذه الأرقام تعكس الحجم الحقيقي لتكلفة علاج الحروق الشديدة في ظل عدم توافر الجلد محليا.
وشددت على أنّ مستشفى أهل مصر ملتزم بتقديم العلاج مجانا بالكامل اعتمادا على التبرعات، ما يبرز أهمية إيجاد حلول مستدامة تقلل التكلفة وتزيد فرص إنقاذ المرضى.
وفيما يخص تدريب الأطباء، أوضحت «السويدي» أنّ البروفيسور نعيم مؤمن، رئيس الخدمات الطبية للحروق بمستشفى أهل مصر، يُعد المرجعية الأبرز في مجال علاج الحروق وزراعة الجلد الطبيعي، لافتة إلى أنّه الوحيد في مصر القادر حاليا على إجراء عمليات زراعة الجلد الطبيعي، وقد تولى المسؤولية الكاملة عن تدريب الأطباء وبناء الكوادر الطبية المتخصصة داخل المستشفى لإتقان هذا النوع الدقيق من الجراحات.
شددت «السويدى» على أنّ إنشاء بنك وطني للجلد والأنسجة في مصر سيمثل نقلة نوعية في علاج الحروق، حيث سيضمن توافر الجلد في الوقت المناسب، ويقلل الاعتماد على الاستيراد المكلف من الخارج، ويسهم في خفض تكلفة العلاج بشكل كبير، وأضافت أنّ وجود بنك الجلد سيساعد على رفع نسب النجاة، وتسريع التدخل الطبي، ودعم البحث العلمي والتدريب الطبي، مؤكدة أنّ بنك الجلد ليس مجرد مشروعا طبيا، بل استثمار إنساني طويل الأمد في إنقاذ الأرواح وبناء منظومة صحية مستدامة.
وكانت «السويدي» قد أعلنت عبر صفحتها الرسمية على «فيس بوك»، أنّها لم تلجأ إلى استيراد الجلد الطبيعي من الخارج بدافع التجربة أو الترف الطبي، وإنما انطلاقا من مسؤوليتها الإنسانية أمام حالات كانت تفقد حياتها لعدم وجود بديل علاجي داخل مصر، وأضافت: «لم أكن أستطيع أن أقف مكتوفة الأيدي أمام مرضى يموتون، لأننا لا نملك وسيلة لإنقاذهم، كان علىّ أن أتحرك، لأن كل روح نفقدها بسبب نقص الإمكانيات مسؤولية أمام الله وأمام ضميري، وربنا سيسألني ويحاسبني إن قصّرت في إنقاذ حياة إنسان وأنا أملك وسيلة لذلك».

وأكدت «السويدي» أنّ القضية لا تقتصر على التبرع بالجلد فقط، موضحة أنّ الأمر أوسع وأشمل، لأنه يندرج تحت مفهوم التبرع بالأعضاء باعتبار الجلد عضوا من أعضاء جسم الإنسان، وقالت: «هذا اختيار شخصي بالكامل، وكل إنسان من حقه أن يستفتي قلبه ويتخذ قراره بحرية».
وشددت على أنّ دار الإفتاء المصرية حسمت الجدل الشرعي حول هذا الملف، بعدما أصدرت فتوى واضحة تُجيز التبرع بالجلد بعد الوفاة، واعتبرته صدقة جارية ينال بها الإنسان أجرا ممتدا بعد رحيله، وتابعت أنّ من يشاهد عن قرب معاناة مرضى الحروق داخل مستشفى أهل مصر سيدرك حجم المأساة الإنسانية التى يعيشها هؤلاء المرضى وأسرهم، قائلة: «القضية ليست مجرد نقاش طبي أو فقهي بل قضية حياة أو موت، ونحن لا نبحث عن جدل بل عن حياة تُنقذ وحق إنساني بسيط في العلاج، وكل خطوة نخطوها في هذا الطريق هدفها إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح».
«الإفتاء»: لا مانع شرعا من الانتفاع بجلد الميت في حالات الضرورة العلاجية بشروط
وتباينت آراء الجهات الدينية المعنية بإصدار فتاوى تخص قرارات التبرع بالجلود بصورة دفعت بعض المؤيدين إلى التراجع، إذ أكدت دار الإفتاء عبر موقعها الرسمى جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي وفق ضوابط شرعية دقيقة، تقوم في مقدمتها على التحقق من موت المتبرع موتا شرعيا ومفارقته للحياة مفارقة تامة.
وشددت الدار على أن يكون المتوفى قد أوصى بذلك في حياته وهو بكامل قواه العقلية، دون أي إكراه مادي أو معنوي، وأن يكون على علم بالعضو الذي سيتم نقله بعد الوفاة، مع التأكيد على ألا يؤدي هذا الإجراء إلى امتهان كرامة الإنسان.
وأوضحت دار الإفتاء أنّ التبرع بالأعضاء بعد الوفاة يكون جائزا شرعا متى روعيت هذه الضوابط الشرعية والمحددات القانونية، مؤكدة أنّ هذا الترخيص مشروط بأن يكون بعيدا تماما عن البيع والشراء أو أي من صور التجارة، وألا يحصل المتبرع أو ورثته على أي مقابل مادي نظير ذلك.

«الإفتاء»:يجب ترميم مظهر الجسد بعد نزع النسيج الجلدي وتكفينه بما يليق
وفيما يتعلق بزراعة وترقيع الجلد، أكدت الدار أنّه لا مانع شرعا من الانتفاع بجلد الإنسان الميت في الحالات التي تفرضها الضرورة العلاجية، شريطة الالتزام الكامل بالضوابط الشرعية والقانونية المنظّمة لنقل الأعضاء والأنسجة البشرية، وأن يتم ذلك في إطار إنساني خالص هدفه إنقاذ الأرواح وليس تحقيق الربح.
وأوصت دار الإفتاء بأن تُجرى هذه العمليات داخل مراكز طبية متخصصة ومعتمدة من الدولة، دون مقابل مادي بين أطراف النقل، وألا يؤخذ من جسد المتوفى إلا بقدر الحاجة الطبية فقط، مع ترميم مظهر الجسد بعد نزع النسيج الجلدي وتكفينه بما يليق بكرامة الإنسان.
وشددت الدار على ضرورة اتخاذ جميع الإجراءات التي تمنع التلاعب بجسد الإنسان أو تحويله إلى سلعة تُباع وتُشترى، مؤكدة أنّ المقصد الشرعي من هذا النوع من التبرع هو التعاون على البر والتقوى، وحماية حياة المرضى، في إطار يحفظ للميت كرامته ويصون للمجتمع قيمه الدينية والإنسانية.
عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف: التبرع بالأعضاء غير موجود في كتب الفقه القديمة
وجاءت تصريحات الدكتور عطية لاشين، أستاذ الفقه وعضو لجنة الفتوى فى الأزهر الشريف، على النقيض تماما لرأي دار الإفتاء، حيث حرَّم بشكل قاطع التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، بما فى ذلك الجلد البشري، قائلا إنّه غير جائز شرعا، لأن حرمة الميت كحرمة الحي، والاعتداء على جسد المتوفى يُعد هتكا لحرمة الإنسان التي كرمها الله حيا وميتا.
وأوضح «لاشين» أنّ جسد الإنسان ليس ملكا له حتى يحق له التصرف فيه، وإنما هو ملك للخالق سبحانه وتعالى، مضيفا: «إذا تبرع الإنسان بعضو من جسده بعد وفاته، فكأنه يتبرع بشيء لا يملكه، والتبرع بما لا يملك لا يجوز شرعا».

وأشار عضو لجنة الفتوى بالأزهر إلى أنّ مسألة التبرع بالأعضاء من النوازل المعاصرة التي لم تكن موجودة في كتب الفقه القديمة، وأنّ الموقف الأقرب لإرضاء الله، بحسب رأيه، هو الامتناع عن إباحتها، مع احترام وجود آراء فقهية أخرى ترى خلاف ذلك.
وشدد على أنّه من ضوابط احترام الجسد بعد الوفاة عدم الاعتداء عليه بأي صورة، وعدم أخذ أي جزء منه حتى لو صرح المتوفى بذلك قبل موته، معتبرا أنّ التبرع في ذاته محرم، فكيف بالاتجار أو البيع الذي يمثل جريمة شرعية مضاعفة.
وفيما يتعلق باعتبار التبرع وسيلة لإنقاذ النفس، أوضح أنّ هذا الأمر لا يصح شرعا، فإنقاذ نفس لا يكون على حساب انتهاك حرمة نفس أخرى، حتى وإن كانت ميتة، مؤكدا أنّ جسد المتوفى يظل له حق الحرمة والتكريم.
ونفى أن يكون التبرع بالأعضاء بعد الوفاة من قبيل الصدقة الجارية، قائلا إنّ الصدقة تكون فيما يملكه الإنسان، بينما الجسد ليس ملكا له حتى يجعله صدقة عنه بعد موته. مؤكدا أنّ موقفه الفقهي يقوم على صيانة كرامة الإنسان جسدا وروحا، ورفض أي ممارسة تمس حرمة الجسد بعد الوفاة تحت أي مسمى، سواء كان تبرعا أو علاجا أو غير ذلك.
متحدث الصحة: التبرع بالجلد لا يشوه الجثمان
وبين مطالب الأطباء وحكايات المرضى والفتاوى الدينية بحرمة التبرع وتشويه الميت، يبقى موقف وزارة الصحة الحلقة الأهم في تفسير أسباب غياب الجلد البشري البديل عن المنظومة الصحية حتى اللحظة، وهو ما أوضحه الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة والسكان، قائلا إنّه لا يتفهم قانون نقل الجلود البشرية البديلة، موضحا أنّ الحديث عن التبرع بالأنسجة البشرية بعد الوفاة، وإنشاء بنك وطني للأنسجة، يأتي في جوهره بهدف إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة المرضى، وعلى رأسهم أطفال الحروق الذين يحتاجون لتدخل طبي عاجل، مشيرا إلى أنّ مصر تسجل معدلات مرتفعة من إصابات الحروق، خاصة بين الأطفال داخل المنازل، وفي كثير من الحالات يفقد المصاب نسبة كبيرة من جلده، ما يجعل التبرع بالجلد بعد الوفاة هو الأمل الحقيقي في الشفاء.

وشدد على أنّ التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب أي تشوه للجثمان، حيث يتم أخذ طبقات سطحية رفيعة جدا من مناطق غير ظاهرة، مشيرا إلى أنّ عملية التبرع تستهدف فقط «القشرة السطحية» من الطبقة العليا، والتى لا يتعدى سمكها 0.3 إلى 0.5 ملليمتر، أي أقل من نصف ملليمتر، وهو قدر ضئيل جدا لا يؤثر على بنية الجسد، مع الحفاظ على الطبقات العميقة المسؤولة عن شكل الجثمان، وضمان إمكانية الغسل والتكفين والدفن دون أي تأثير على كرامة المتوفى.
آليات التنفيذ والوعي المجتمعي
وأوضح المتحدث الرسمي أنّ قانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته يجيز التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، شرط ثبوت الوفاة طبيا، ووجود موافقة موثقة من المتوفى أو ذويه، مع التأكيد على منع وتجريم أي من صور الاتجار.
وأكد أنّ التحدي لا يكمن في وجود القانون، وإنّما في التنظيم الجيد، وآليات التنفيذ، وبناء الوعي المجتمعي، وهو ما تعمل الدولة عليه حاليا من خلال إنشاء منظومة وطنية متكاملة لبنوك الأنسجة، وعلى رأسها بنك الجلد ضمن خطة تطوير معهد ناصر بمدينة النيل الطبية، ووضع إجراءات وبروتوكولات طبية واضحة تضمن السلامة والجودة، وضمان الشفافية والرقابة الكاملة في جميع مراحل التبرع والاستخدام، والتنسيق مع المؤسسات الدينية الرسمية لضمان توافق التبرع مع التعاليم الدينية، إضافة إلى تدريب الكوادر الطبية ورفع كفاءة وحدات الحروق، فيما شدد على أنّ التبرع بالأنسجة بعد الوفاة لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية ولا التعاليم الدينية، بل يُعد عملا إنسانيا نبيلا يسهم في إنقاذ حياة المرضى ومنحهم فرصة جديدة للحياة.
أستاذ قانون جنائي: التبرع بالجلد بعد الوفاة يحتاج إلى نص قانوني لضمان حق المريض
وفي الوقت الذي ينتظر فيه مصابو الحروق تقنيات علاجية بديلة لإغلاق جروحهم وحمايتهم من العدوى، تبرز أزمة أخرى لا تتعلق بالإمكانات الطبية وحدها، بل تمتد إلى القوانين المنظِّمة للتبرع بالأنسجة البشرية، التي لا تزال غير واضحة في ما يخص الجلد البشري البديل وآليات إنشاء بنك خاص به داخل المستشفيات الحكومية، ووفقا للدكتور مصطفى سعداوي، أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة المنيا، فإنّ الإطار القانوني الحالي في مصر لا يسمح بالتبرع بالجلد بعد الوفاة باعتباره نسيج بشري، مشيرا إلى أنّ القانون وضع شروطا صارمة للتبرع بالأعضاء، بينها أن يكون التبرع دون مقابل مادى، وأن يكون العضو من الأعضاء الثنائية، وهو ما لا ينطبق على الجلد.
وأضاف أنّ القانون رقم 5 لسنة 2010 الخاص بزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية لم يتطرق إلى التبرع بالجلد، وبالتالي فإنّ الأمر يحتاج إلى نص تشريعي مستقل ينظم التبرع بالجلد لضمان حق المريض في الحصول على العلاج والحد من المخاطر التي قد تهدد حياته.
وأكد «سعداوي» أنّ هناك فراغا تشريعيا واضحا في تنظيم التبرع بالأنسجة مثل الجلد مقارنة بالأعضاء الحيوية، مضيفا: «التجربة الطبية في مصر متطورة، ولكن قانون 2010 لم يكن يخص التبرع بالجلد كونه أمر لم يكن معروفا على نطاق واسع حينها، وإذا كانت هناك ضرورة علاجية لإنقاذ حياة المصابين بالحروق، فلا مانع من تعديل التشريع بما يضمن ذلك».
وفيما يتعلق بالضمانات القانونية لمنع أي انتهاك لحرمة الجسد بعد الوفاة، أوضح أستاذ القانون الجنائي أنّ التعامل مع جثمان المتوفى يجب أن يكون وفق القانون رقم 142 لسنة 2017 الذي نظم التبرع بأعضاء المتوفى وزرعها، كما يشترط تشكيل لجنة من وزارة الصحة تتلقى طلبات التبرع وتضمن توثيق العملية، مع الالتزام بعدم التعامل التجاري أو الربحي بالأنسجة البشرية.
وعن كيفية توثيق موافقة المتوفى على التبرع بالجلد قانونيا حال إقراره، شدد «سعداوي» على ضرورة وجود إقرار موثق من لجنة وزارة الصحة في مستشفى مصرح له، يكون كاملا بالإشراف الطبي والقانوني لضمان عدم استغلال التبرع أو الاتجار بالجلد، مؤكدا أنّه وفقا للقانون فإنّ المتبرع بأعضائه بعد الوفاة يجب أن يحدد بشكل واضح الشخص الذى ستُنقل إليه هذه الأعضاء، على أن يكون أحد أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية، وذلك وفقا للضوابط القانونية المنظِّمة لعملية التبرع، بما يضمن عدم إساءة استخدام هذا الحق أو استغلاله فى أى صورة من صور الاتجار بالأعضاء.

تشريع بنوك الجلد يبدأ بمطالب من وزارة الصحة ومراكزها البحثية
وأشار «سعداوي» إلى أنّ موافقة الأسرة لا تكفي حال عدم وجود وصية من المتوفى، وأن رغبة الشخص المتبرع بها هي المعيار القانوني الأول حال تعارضت مع رفض ذويه.
وأشار أستاذ القانون إلى أنّ العقوبات التي من المفترض تطبيقها لمن يستغل التبرع بالجلد في الاتجار أو التربح تكون بالسجن المشدد لمدة 15 سنة، مع وضع آليات واضحة لمراقبة تنفيذ هذا النظام من قِبل البرلمان، من خلال مذكرة إيضاحية للقانون توضح جميع التفاصيل والإجراءات.
واختتم «سعداوى» حديثه بأنّ أهمية إصدار قانون خاص ببنوك الجلد البشري البديل في مصر هي أمر يجب أن يكون صادرا بمطالبات من المراكز البحثية لوزارة الصحة، مؤكداً أنه يجب أن يتم بالتنسيق بين الجهات الطبية والدينية والمجتمع.
مئات الآلاف ممن تعرضوا للحروق على اختلاف درجاتها يحلمون بتوافر جميع سبل العلاج لإنقاذهم من الألم، في حين يقف ذووهم عند ذكريات مؤلمة لا يمكن محوها، وكما أنهى إسلام بدوي الذي فقد والدته جراء حريق مفجع حديثه: «أمي مماتتش بسبب النار لوحدها، ماتت عشان مكانش فيه وسيلة تحمي جسمها بعد الحريق».