التبرع بالأعضاء عالميا.. إسبانيا تتصدر بـ35.3 لكل مليون نسمة وأمريكا تستخدم «الاختيار الواعي» لاستخراج رخصة القيادة
التبرع بالأعضاء عالميا.. إسبانيا تتصدر بـ35.3 لكل مليون نسمة وأمريكا تستخدم «الاختيار الواعي» لاستخراج رخصة القيادة
في ردهات المستشفيات المظلمة، يراقب آلاف المرضى عقارب الساعة وهي تلتهم فرصهم في البقاء؛ قلوب توقفت عن النبض إلا من أمل، وأكباد أرهقها التليف في انتظار أمل قد يأتي وقد لا يأتي أبداً، وخلف هذه المشاهد الإنسانية الموجعة، تدور معركة صامتة بين تطور طبى مذهل وموروثات ثقافية ترفض المساس بجسد المتوفى، وهو التناقض الذي يضعه الدكتور محمد عبدالوهاب، رائد زراعة الكبد في مصر، على طاولة التشريح المجتمعي، مؤكداً أن الأزمة لم تعد في نص القانون، بل في ثقافة الشعوب.
ويرى «عبدالوهاب»، أستاذ الجراحة بكلية الطب جامعة المنصورة، والمشرف على برنامج زراعة الكبد، أن الحل ليس في أروقة البرلمان، الذي أقر القانون منذ عام 2009، بل في كسر «تابوهات» تعود لآلاف السنين؛ فالشعب المصري الذي ورث تقديس الجثمان من أجداده الفراعنة، لا يزال يجد صعوبة في تقبل فكرة التبرع من المتوفى، هذه الطبيعة النفسية جعلت التشريعات مجرد حبر على ورق، ما لم يدخل «مثلث الوعي» المتمثل في الإعلام، والمنبر الديني، والجامعات، في مواجهة حقيقية لتغيير النظرة السائدة، وإقناع الناس بأن منح الحياة للحى هو أسمى درجات التكريم للميت.
«عبدالوهاب»: المصريون ورثوا تقديس الجثمان من الفراعنة
رحلة العضو من جسد لآخر لا تتوقف عند رغبة المتبرع، بل يصفها «عبدالوهاب» في حديثه لـ«الوطن» كعملية لوجيستية معقدة تتطلب مستشفيات فائقة الجاهزية، خاصة أن عملية زراعة الأعضاء تبدأ بفريق طبى متخصص لتشخيص موت جذع المخ، وتمر بشبكة نقل سريعة وحساسة، وتنتهي بغرف عمليات مجهزة بأحدث التقنيات لضمان سلامة العضو.
يقول المشرف على برنامج زراعة الكبد، إنه في ظل قوائم انتظار طويلة وتكاليف باهظة عالمياً، يبدو أن تنظيم هذه السلسلة هو التحدي التقني الذي يواجه الدول الراغبة في محاكاة النماذج الناجحة.
وبينما يصارع العالم العربي لتغيير القناعات، قدمت إسبانيا للعالم وصفة سحرية جعلتها تتربع على عرش التبرعات بـ35.3 متبرع لكل مليون نسمة، فبحسب ما ذكرت محطة الشبكة التليفزيونية الأمريكية PBS، السر يكمن في قلب الموازين؛ فأنت متبرع تلقائياً حتى يثبت العكس، وهي السياسة التي اتبعتها فرنسا أيضاً لتقليص رفض الأهالي في اللحظات الحرجة، وفي المقابل تعتمد الولايات المتحدة نظام الاختيار الواعي، ويتم ذلك عادة عند استخراج رخصة القيادة، ما يجعل التبرع قراراً شخصياً استباقياً يرفع عبء القرار عن كاهل العائلة المفجوعة.
الإمارات صاغت مرسوماً لتنظيم العمليات.. وقطر شرعت قوانين تسمح بوهب الأعضاء من دون صلة عائلية.. والمغرب تشترط إحاطة المتبرع بالمخاطر
وعلى الخارطة العربية، لم تقف التشريعات مكتوفة الأيدي؛ فدولة الإمارات صاغت مرسوماً اتحادياً رقم «5» لعام 2016 بشأن تنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية، ويسرى هذا القانون على العمليات التي تتم داخل الدولة، أو في مناطقها الحرة، حيث يهدف هذا المرسوم إلى تنظيم إجراء عمليات نقل وزراعة وحفظ الأعضاء والأنسجة البشرية وتطويرها، ومنع الاتجار في الأعضاء والأنسجة البشرية، وحماية حقوق الأشخاص الذين تُنقل منهم أو إليهم أعضاء أو أنسجة بشرية، بحسب مؤسسة «Organ Donor» للتبرع بالأعضاء في الولايات المتحدة.
وفي قطر، فقد شرّعت الدولة منذ 2015 قوانين صارمة تنظم بنوك الخلايا وتحظر التبرع بالأعضاء التناسلية وتسمح بوهب الأعضاء من دون صلة عائلية، أما في المغرب، فقد اتخذ القانون طابعاً إنسانياً متحفظاً، حيث حصر التبرع من الأحياء في المصلحة العلاجية للأقارب من الدرجة الأولى، مع اشتراط إحاطة المتبرع بكل المخاطر، في محاولة للموازنة بين إنقاذ الحياة والحفاظ على سلامة المتبرع.
وفي القانون المصري تنص المادة 61 من الدستور الحالي على أن: «التبرع بالأنسجة والأعضاء هبة للحياة، ولكل إنسان الحق في التبرع بأعضاء جسده، أثناء حياته أو بعد مماته بموجب موافقة أو وصية موثقة، وتلتزم الدولة بإنشاء آلية لتنظيم قواعد التبرع بالأعضاء وزراعتها وفقاً للقانون»، ووفقاً لنص القانون 5 لسنة 2010، الخاص بإصدار قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية، وتعديلاته، فإنه في جميع الأحوال يجب أن يكون التبرع صادراً عن إرادة حرة خالية من عيوب الرضا وثابتاً بالكتابة.