«التنظيم الدولي للإخوان» يواجه مرحلة صعبة في ظل انقسام داخلي وتضييق إقليمي واسع
«التنظيم الدولي للإخوان» يواجه مرحلة صعبة في ظل انقسام داخلي وتضييق إقليمي واسع
يواجه تنظيم الإخوان مرحلة صعبة في ظل تضييق إقليمي واسع، وتصنيفات أمنية متزايدة، وانقسامات داخلية حادة، وتغيرات في مواقف القوى الدولية، وسط تاريخ من الدماء يلطخ واجهة الجماعة التي تأسست عام 1928. يمر التنظيم بمرحلة الرهانات الخاسرة، بعد أن فقد كثيراً من نفوذه السياسي على المستوى الدولي، وتعرض لضربات قانونية وأمنية، وواجه انقسامات داخلية، بينما تغيرت البيئة الدولية التي كانت تسمح له بالحركة.
تحولات عميقة في بنية التنظيم
يقول الدكتور محمد عبدالعظيم الشيمي، أستاذ العلوم السياسية، إن وضع التنظيم منذ عام 2011 يكشف تحولات عميقة في بنيته وطبيعة دوره السياسي، سواء على مستوى التنظيم الدولي أو على الفروع المحلية، مشيراً إلى أن الجماعة خاضت بعد 2011 ما يمكن وصفه بمحاولة اختبار سياسي واسع، انتقلت خلاله من العمل في الظل إلى محاولة ممارسة العمل السياسي بشكل مباشر في أكثر من دولة، وهو ما أدى إلى تجارب مختلفة لم تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها.
وأوضح «الشيمي» أن الوضع الحالي للجماعة يتسم بعدة محددات رئيسية؛ في مقدمتها تراجع التماسك التنظيمي بشكل واضح، وظهور انقسامات حادة على مستوى القيادة، الأمر الذي دفع بعض الأطراف إلى الاتجاه نحو إنشاء كيانات موازية أو أطر تنظيمية جديدة في محاولة للتكيف مع الظروف الحالية، ما انعكس على ضعف الإدارة التنظيمية، خاصة في ظل اعتماد الجماعة لفترات طويلة على مركزية القيادة، وهو ما تحول لاحقاً إلى أحد مصادر الأزمة.
ضغوط دولية متزايد على التنظيم
وأضاف أن الجماعة تواجه ضغوطاً متزايدة على المستوى الدولي، سواء على الصعيد القانوني أو الأمني، حيث لم يعد التضييق مقتصراً على دولة واحدة، بل اتجهت عدة دول إلى تصنيف جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي، مع إدراج عدد من قياداتها وأعضائها على قوائم الإرهاب، وهو ما أدى إلى تشديد الرقابة على أنشطتها السياسية والمالية، وفرض قيوداً كبيرة على تحركاتها، وهو ما يمثل أحد أهم التحديات التي تواجهها في المرحلة الحالية.
وعن تأثير السياسات الأمريكية والأوروبية، أوضح أن مرحلة ما بعد 2011 شهدت في البداية قدراً من الاهتمام الغربي بدور الجماعة، مع وجود رهانات على إمكانية أن تمثل جزءاً من مشهد سياسي جديد في المنطقة، وبعد التجارب السياسية التي خاضتها الجماعة في عدد من الدول، ظهرت شكوك كبيرة في قدرتها على تحقيق نجاح سياسي مستقر، وهو ما انعكس في تحول ملحوظ في المواقف الغربية، والانتقال إلى التعامل بحذر أكبر معها.
وأضاف أن هذا التحول ترافق مع تشديد الرقابة على التمويل والشبكات المرتبطة بالجماعة، خاصة في ظل قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال في الولايات المتحدة وأوروبا، ما أدى إلى صعوبة أكبر في نقل الأموال عبر الحدود، وتراجع الدعم اللوجيستي الذي كانت تعتمد عليه الجماعة على المستوى الدولي، فضلاً عن انخفاض مستوى التعاون أو تبادل المعلومات الذي كان قائماً في فترات سابقة، وفقاً لعدد من التحليلات الغربية.
وكشف أن هناك اختلافاً نسبياً بين المقاربة الأمريكية والأوروبية، حيث تميل الولايات المتحدة إلى التركيز بدرجة أكبر على الجوانب الأمنية والمالية، بينما تهتم أوروبا أكثر بقضايا الاندماج المجتمعي والخطاب الديني، إلا أن النتيجة في الحالتين كانت تضييقاً متزايداً على نشاط الجماعة، وتقليصاً لدورها على مستوى التنظيم الدولي، لافتاً إلى أن السياسات الغربية ليست ثابتة، بل تتسم بدرجة عالية من التحول تبعاً للمتغيرات السياسية والاعتبارات الاستراتيجية، وهو ما يعني أن هذه السياسات قد تفتح أو تغلق المجال أمام الجماعة وفقاً لمصالح تلك الدول في كل مرحلة.
ميزة ساعدت التنظيم الإرهابي على الانتشار
الدكتور محمد الطماوي، أستاذ العلاقات الدولية، قال إن دراسة الوضع الحالي للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية، بشكل مستفيض، تكشف أن التحولات التي طرأت على الجماعة خلال العقد الأخير لم تقتصر على تراجع نفوذها فقط، بل امتدت إلى إعادة تشكيل جوهرية في بنيتها التنظيمية وطبيعة عملها على المستوى الدولي.
وأوضح «الطماوي»، في تصريحات لـ«الوطن»، أن التنظيم لم يكن بالصلابة التي قد توحي بها البنية الهرمية التقليدية، بل اعتمد بدرجة كبيرة على مرونة شبكية سمحت له بالتكيف مع البيئات المختلفة، وهي ميزة ساعدته في مرحلة الانتشار، لكنها جعلته في الوقت نفسه أكثر هشاشة أمام الضغوط السياسية والأمنية، لافتاً إلى أن عام 2013 مثّل نقطة تحول مفصلية، إذ تعرضت الجماعة لضربات هيكلية كبيرة بعد الإطاحة بها في مصر وحظرها رسميًا، وهو ما شمل اعتقال قيادات بارزة، وإغلاق مؤسسات، ومصادرة أصول، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرتها على التنسيق المركزي، وتزامن ذلك مع ظهور انقسامات داخلية حادة بين قيادات الداخل والخارج، وكذلك بين الأجيال المختلفة داخل التنظيم، ما وسع الفجوة بين الفروع وقلّص قدرة أي قيادة على فرض توجه موحد.
واعتبر أن هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن الجماعة لم تعد كياناً موحداً، بل شبكة متعددة الأذرع، وأن التعامل معها على مستوى الفروع الفردية أكثر فاعلية من التعامل معها كتنظيم مركزي، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة، خاصة في 2025 و2026، شهدت إدراج كيانات مرتبطة بالجماعة على قوائم الإرهاب وفرض عقوبات على بعض أعضائها، وهو ما أدى إلى تقليص حرية الحركة عبر الحدود، وأثر بشكل مباشر على قدرتها على جمع التمويل أو إدارة شبكات الدعم الإعلامي واللوجيستي.
وفي أوروبا، أوضح «الطماوي» أن التحولات كانت مشابهة لكنها اتخذت طابعاً محليًا، حيث كثفت عدة دول رقابتها على الجمعيات والمؤسسات المرتبطة بالجماعة، وفرضت قيوداً على التمويل، وشددت الرقابة على النشاط السياسي والإعلامي، ما قلل من قدرة الفروع على العمل كشبكة متماسكة أو فرض حضور سياسي موحد، وأدت هذه السياسات إلى تعزيز استقلالية الفروع، لكنها في الوقت نفسه أعاقت التنسيق الدولي بينها وجعلت أي تحرك جماعي أكثر صعوبة.
وأضاف أن الإجراءات التي اتخذتها دول عربية، وفي مقدمتها مصر، ساهمت في قطع الروابط بين الفروع وتقليص قدرتها على تبادل المعلومات والدعم، وهو ما أدى إلى تفكك هيكلي واضح داخل التنظيم الدولي، دون أن يعني ذلك انتهاء وجوده بالكامل، بل تحوله إلى شبكة لا مركزية متعددة الفروع، يتحرك كل منها بدرجة من الاستقلال النسبي، مع تفاوت واضح في مستوى النفوذ والتأثير من دولة إلى أخرى.