مي سمير تكتب: تقدير استخباراتي أمريكي يكشف المخاطر الاستراتيجية والعقبات السياسية لحرب برية أمريكية في إيران

كتب: محرر

مي سمير تكتب: تقدير استخباراتي أمريكي يكشف المخاطر الاستراتيجية والعقبات السياسية لحرب برية أمريكية في إيران

مي سمير تكتب: تقدير استخباراتي أمريكي يكشف المخاطر الاستراتيجية والعقبات السياسية لحرب برية أمريكية في إيران

بدأ الرئيس دونالد ترامب بالقول إن الحرب كانت «نزهةً صغيرةً» ستنتهى «بسرعة كبيرة»، وبعد الأيام العشرة الأولى، قال إنها «مكتملة جداً، إلى حد كبير»، وبعد أيام قليلة من ذلك ادعى أنه «دمر فعلياً» أنظمة الصواريخ الإيرانية ودمر قدراتها على تصنيع الطائرات المسيرة.

غير أن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً فعلياً، ما يرسل موجات من الذعر عبر أسواق النفط والغاز والاقتصاد العالمى، وخلال الأيام الماضية، قامت إيران بالقضاء على جزء من إمدادات الغاز الطبيعى المسال العالمية من خلال ضرب منشأة المعالجة فى رأس لفان فى قطر، وكذلك مهاجمة مصفاة نفط فى الكويت.

إيران لا تستسلم دون قتال، ما يعنى أن الولايات المتحدة تدرس أيضاً خيار «وضع أقدام على الأرض». فى بداية الضربات، كان الغزو الشامل يعتبر الوسيلة الأقل احتمالاً لخوض هذه الحرب، نظراً لتعهدات ترامب المتكررة خلال حملته بعدم تكرار التعقيدات مثل حربى العراق وأفغانستان اللتين خاضهما سلفه الجمهورى جورج دبليو بوش.

الآن، أصبح الحديث عن نشر قوات برية يُطرح علناً فى واشنطن، السفينة USS Tripoli، وهى حاملة قوات برمائية على متنها 2200 من مشاة البحرية من وحدة MEU 31، إلى جانب سفن دعم، فى طريقها إلى الخليج قادمةً من الفلبين، وشوهدت مجموعة برمائية أخرى، تحمل وحدة MEU 11، وهى تغادر سان دييحو فى كاليفورنيا. الأهداف المحتملة لمثل هذا التوغل الأرضى حددتها الكثير من التقارير الغربية بما فى ذلك تقرير لصحيفة «التايمز».

الأهداف المحتملة

قد تلجأ الولايات المتحدة لإرسال قوات محدودة لتحقيق أهداف تتأرجح من القيام باغتيالات محددة إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم وتدمير البنية العسكرية. الخيار الآخر هو عملية غزو محدودة لمناطق محددة. تأتى فى مقدمة قائمة أهداف الغزو الأرضى أهم منشأة نفطية استراتيجية فى إيران تعرف لدى الإيرانيين باسم «الجزيرة المحرمة» أو جزيرة «خرج». تقع على بعد نحو 15.5 ميل قبالة الساحل الإيرانى فى شمال الخليج الفارسى، وهى نتوء مرجانى صغير يعج بخزانات النفط ومحطات التحميل وخطوط الأنابيب.

وهى شريان الحياة لإيران، وتحميها آلاف القوات من الحرس الثورى الإيرانى. الوصول إليها مقيد بشدة.

تتدفق ملايين البراميل من النفط الخام يومياً من الحقول النفطية الرئيسية فى إيران عبر خطوط الأنابيب إلى الجزيرة، التى تقع فى مياه عميقة مناسبة لوصول ومغادرة ناقلات النفط.

بعد غارة قصف أمريكية «دمرت بالكامل» كل شىء من الدفاعات الجوية إلى مواقع إطلاق الطائرات المسيرة، أصبح الطريق ممهداً لإنزال برمائى. مثل هذه العملية ستكون أكثر مهمة هجومية جريئة وخطورة لترامب ضد النظام الإيرانى.

قد لا يتجاوز طول الجزيرة خمسة أميال وعرضها ثلاثة أميال، لكنها قد تتطلب بسهولة أكثر من 2200 من مشاة البحرية للسيطرة عليها، اعتماداً على عدد القوات التى لا تزال تدافع عنها. سيكون من المنطقى عسكرياً نشر ضعف هذا العدد، رغم أن وحدة MEU مكتفية ذاتياً وتأتى مزودةً بدبابات ومدفعية ومركبات مدرعة ومروحيات ومقاتلات F-35B ذات الإقلاع العمودى.

السيطرة على «خرج» ستمنع تدمير منشأة نفطية حيوية، وستمنح ترامب ورقة تفاوض مع طهران تتمثل فى إعادة الجزيرة مقابل فتح المضيق.

وقد تسعى القوات الأمريكية إلى الاستيلاء على «الجزر الثلاث المتنازع عليها». هذه النقاط الثلاث على الخريطة - أبوموسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى - تعد مصدراً لاهتمام عادةً فقط المتخصصين فى سياسات الخليج، لذلك عندما تبدأ فى الظهور فى «الأحاديث العسكرية»، فهذا يعنى أن هناك أمراً ما يجرى. هذه الجزر متنازع عليها بين إيران والإمارات العربية المتحدة، وبشكل رئيسى إمارة أبوظبى. وكانت تحت سيطرة أبوظبى حتى انسحبت بريطانيا من الجانب العربى من الخليج عام 1971. وقبل يومين من استقلال الإمارات، اجتاحت قوات الشاه هذه الجزر واستولت عليها. أبوظبى ترغب فى استعادتها.

السيطرة عليها ستكافئ الإمارات على صمودها فى مواجهة معظم الهجمات الصاروخية والمسيرة التى أطلقتها إيران عبر الخليج رداً على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. لكن للجزر أيضاً أهمية استراتيجية، إذ توجد عليها قواعد للحرس الثورى، وتقع عند نقطة الاختناق فى المضيق، ما يجعلها موقعاً جيداً للمراقبة وموقعاً لإطلاق الصواريخ قصيرة المدى.

يمكن أن يدمج الهجوم على الجزر الثلاث مع هجوم آخر على جزيرة قشم الأكبر، الأقرب إلى إيران، والتى تضم قاعدة صواريخ تحت الأرض.

لإضعاف قدرة إيران، سيتطلب الأمر تدمير العديد من القوارب الصغيرة، ومخازن الطائرات المسيرة المخفية، ومواقع الصواريخ، وقدرات زرع الألغام على طول الساحل.

قد تبدأ قوات المارينز المتجهة إلى الخليج فى ذلك - وربما بمشاركة قوات خاصة، بما فى ذلك الخدمة الخاصة للقوارب البريطانية إذا شاركت المملكة المتحدة - مستهدفةً الطائرات المسيرة تحت الماء التى يعرف أن إيران تخبئها فى أنفاق عميقة محفورة داخل الساحل الجبلى.

وسيكون لدى المارينز أيضاً مهمة أخرى هنا، وهى منع ما يعد فى بعض النواحى «الخيار النووى» لإيران وهو زرع الألغام فى المضيق أو على مداخله.

كانت هناك ادعاءات فى وقت سابق من الحرب بأنها بدأت بالفعل فى ذلك، لكن الإجماع هو أنها امتنعت عن ذلك حتى الآن. ويمكن أن تشكل الألغام، بطبيعة الحال، تهديداً أيضاً للسفن الإيرانية، لذا سيكون هذا خياراً أخيراً. لكنه خيار تخشاه الدول الغربية.

يمكن نقل فرق من المارينز إلى الداخل قليلاً باستخدام طائرات Osprey ذات المراوح المائلة، لإنشاء قواعد صغيرة لتنفيذ غارات محددة وربما السيطرة على أراض.

سيكون هذا عمليةً عاليةَ الخطورةِ للغاية، وسيعتمد على قوة المعلومات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية بشأن القوات الإيرانية فى المنطقة.

أحد أشكال الغزو الأقل من محاولة شاملة لتغيير النظام سيكون توغلاً محدوداً على طول المناطق الساحلية لتأمين المضيق من الهجمات. وهذا سيتطلب قوةً أكبر بكثير من تلك المتجهة حالياً إلى الخليج، وسيكون أكثر خطورةً، رغم أن إنشاء موطئ قدم قد يدفع النظام فى النهاية إلى تقديم تنازلات.

ماذا عن الجبهة فى الشمال؟ فى وقت مبكر من الحرب، اقترح البيت الأبيض أن الجماعات الكردية المتمردة يمكن إقناعها بالانتفاض داخل إيران، أو الدخول من العراق لإشعال تمرد مسلح.

لكن الفكرة قوبلت بفتور فى كردستان العراق، رغم علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة. وكان قادة الإقليم مترددين فى وضع أنفسهم أكثر فى مرمى إيران دون ضمانات أمريكية كبيرة لدعم حرب برية. كما أشار المقاتلون الأكراد الإيرانيون أنفسهم، الذين لا يتجاوز عددهم بضعة آلاف، إلى أنهم مسلحون بشكل خفيف. ومع ذلك، قد تكون كردستان نقطة انطلاق واضحةً لعملية أمريكية أكبر أو حتى لمحاولة كاملة لتغيير النظام.

المخاطر المحتملة

رسم تقرير استخباراتى من إعداد مركز ستراتفور القريب من المخابرات الأمريكية تقييماً للمخاطر التى قد تواجه الولايات المتحدة فى حال اللجوء لخيار العمل على الأرض فى إيران.

يرسم التقرير صورةً واضحةً مفادها أن الانتقال الأمريكى من الحرب الجوية إلى العمل البرى داخل إيران لا يفتح فقط باب التصعيد العسكرى، بل يضع القوات الأمريكية أمام طيف واسع من المخاطر المتداخلة: عملياتية، ميدانية، لوجيستية، سياسية، استراتيجية، وإقليمية.

ورغم أن التقرير يميز بين ثلاثة مستويات للتدخل البرى - غارات كوماندوز محدودة، توغلات محدودة على الجزر والموانئ، وغزو شامل واسع النطاق - فإنه يؤكد أن كل مستوى منها ينطوى على تهديدات جدية، وأن انخفاض حجم القوة المستخدمة لا يعنى بالضرورة انخفاض مستوى الخطر. بل إن بعض العمليات الأصغر قد تتحول بسرعة إلى أزمات أكبر إذا تعثرت المهمة أو طال أمدها أو تعرضت القوات للخسائر أو الأسر.

فى جوهر تقرير مركز ستراتفور، لا تكمن المشكلة فقط فى دخول القوات الأمريكية إلى إيران، بل فى طبيعة البيئة التى ستدخلها: دولة كبيرةُ المساحة، معقدة جغرافياً، تمتلك بنيةً عسكريةً وأمنيةً مرنةً، وشبكات قيادة غير مركزية نسبياً، وقدرةً على الرد غير المتماثل، إلى جانب قابلية عالية لتحويل أى وجود أمريكى على أراضيها إلى وقود تعبوى قومى. وهذا ما يجعل المخاطر التى تواجه القوات الأمريكية لا تقتصر على لحظة الهجوم، بل تمتد إلى مرحلة التثبيت، والانسحاب، وما بعد العملية نفسها.

مخاطر غارات الكوماندوز داخل إيران

يعتبر التقرير أن غارات الكوماندوز هى الخيار الأبسط نسبياً من الناحية السياسية واللوجيستية. فالولايات المتحدة تستطيع تنظيم ونشر قوات مثل Navy SEALs وDelta Force وGreen Berets بسرعة، ومن دون الحاجة إلى أشهر من الحشد أو إلى سلاسل إمداد هائلة، كما يمكن إدخال هذه القوات من حاملات الطائرات أو عبر الحدود والسواحل الإيرانية، خاصةً فى ظل ما يفترضه التقرير من تفوق جوى أمريكى-إسرائيلى. ومع ذلك، فإن هذه «السهولة النسبية» فى الإرسال لا تلغى طبيعة المخاطر التى تنتظر هذه القوات داخل الأراضى الإيرانية.

أول هذه المخاطر يرتبط بطبيعة المهمة نفسها. فإذا كان الهدف هو تأمين مواد نووية، مثل اليورانيوم المخصب المدفون قرب أصفهان، فإن العملية لا تكون ضربةً خاطفةً ثم انسحاباً سريعاً، بل قد تتطلب وقتاً طويلاً لاستخراج المواد أو تخفيفها، ما يعرض القوة الأمريكية لفترة انكشاف طويلة أمام هجمات مضادة محتملة من الحرس الثورى الإيرانى. هنا يصبح الخطر مضاعفاً: القوات لا تتحرك داخل عمق معاد فحسب، بل تضطر إلى البقاء فيه وهى منشغلة بمهمة معقدة تقنياً وبطيئةِ التنفيذ.

أما إذا كانت المهمة تستهدف مواقع أبحاث نووية سرية، فإن الخطر العملياتى قد يكون أقل لأن زمن البقاء أقصر، لكن التقرير يلفت إلى أن العائد نفسه يصبح أقل يقيناً. بمعنى أن القوات الأمريكية قد تتكبد مخاطر التسلل والضرب والانسحاب، دون ضمان أن تكون الضربة حاسمةً أو كافيةً لإحداث أثر استراتيجى واضح، كما أظهرت تجارب الضربات السابقة على مواقع نووية إيرانية.

وفى حال كان الهدف اغتيال قيادات عسكرية إيرانية، فإن الخطر التكتيكى قد يبدو أقل من اقتحام مواقع نووية، لكن التقرير يشدد على أن الجدوى الاستراتيجية محدودة، لأن بنية القيادة العسكرية الإيرانية تعتمد على شبكات مرنة وبدائل متعددة داخل سلسلة القيادة. أى أن القوات الأمريكية قد تنجح فى تنفيذ اغتيال نوعى، لكنها لا تضمن شل قدرة إيران على مواصلة الضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة. وهنا تظهر مخاطرة أساسية: تعرض قوات النخبة للخطر مقابل أثر عملياتى غير حاسم.

كما يطرح التقرير احتمال استخدام الكوماندوز فى تخريب البنية الصناعية العسكرية التى تدعم برامج الصواريخ والطائرات المسيرة، أو فى تنظيم قوىً معارضة داخل إيران، سواء كرديةً أو حضريةً. لكن فى الحالتين، يوضح التقرير أن النتيجة ليست مضمونةً. فالبنية الصناعية الإيرانية منتشرة ومتشعبة، ما يقلل من حسم الضربات التخريبية، بينما تنظيم المعارضة عملية بطيئة وستواجه مقاومةً شديدةً من الحرس الثورى. أى أن القوات قد تنخرط فى مهمات ذات طابع سياسى-أمنى طويل المدى، من دون ضمان تحقيق نتائج حاسمة أو سريعة.

وأخطر ما يورده التقرير فى هذا المسار هو أن أى قوة كوماندوز أمريكية تعمل داخل إيران تواجه فى النهاية خطر القتل أو الأسر. وهذا ليس مجرد فشل ميدانى محدود، بل ضربة سياسية كبيرة للرئيس الأمريكى، خصوصاً فى ظل الذاكرة الأمريكية السلبية لعملية «مخلب النسر» عام 1980. لذلك، فإن قوات النخبة هنا لا تواجه فقط مخاطر النار المعادية، بل تواجه أيضاً خطر التحول إلى رمز لفشل استراتيجى وإحراج سياسى إذا تعثرت المهمة.

مخاطر التوغلات المحدودة على الجزر والموانئ الإيرانية

يرى التقرير أن خيار التوغلات المحدودة، الهادفة إلى ضرب الاقتصاد الإيرانى أو كسر قدرته على إغلاق مضيق هرمز، قد يشمل السيطرة على جزر مثل «خرج وكيش وقشم» أو حتى موانئ رئيسية مثل بندر عباس أو تشابهار. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يتطلب قوات أقل من الغزو الشامل، فإنه يضع القوات الأمريكية أمام أحد أخطر أنواع العمليات العسكرية: الإنزال البرمائى أو الجوى فى بيئة معادية.

ويشدد التقرير على أن العمليات البرمائية والجوية الهجومية من أعقد العمليات العسكرية على الإطلاق، وأن الولايات المتحدة لم تنفذ إنزالاً قتالياً فى مواجهة خصم يطلق النار منذ الحرب الكورية فى الخمسينات. هذه نقطة محورية؛ لأن العملية هنا لا تدور حول مجرد احتلال بقعة جغرافية، بل حول إيصال القوات إلى الشاطئ أو الميناء، وتأمين موضع قدم، ثم تثبيت السيطرة تحت احتمال نيران معادية متواصلة. وهذا يعنى أن القوات الأمريكية ستكون معرضةً منذ اللحظة الأولى إلى تهديدات متعددة ومتزامنة: نيران مباشرة، صواريخ، طائرات مسيرة، تشويش ميدانى، واحتمال ارتباك فى إعادة الإمداد أو الإخلاء أو دعم القوة المتقدمة.

التقرير يذكر صراحةً أن القوات الأمريكية التى تحاول مثل هذه الإنزالات ستكون معرضةً لهجمات مضادة بالصواريخ والطائرات المسيرة. ولا يقف الخطر عند الشواطئ أو لحظة الاقتحام؛ بل يمتد إلى كل مرحلة تالية، لأن الحفاظ على القوة داخل موقع إيرانى يتطلب دعماً جوياً وبحرياً كبيراً. وكلما طال زمن العملية، زادت فرص أن تتحول القوة الأمريكية من قوة مبادرة إلى قوة محاصرة نسبياً تحت الضغط.

ويضيف التقرير أن الإنزال فى منطقة مأهولة بالسكان قد يجر القوات الأمريكية إلى قتال حضرى أو إلى تمرد محلى محدود. وهذا يمثل مخاطرةَ استنزاف كلاسيكيةً، لأن السيطرة على ميناء أو مدينة ساحلية لا تشبه السيطرة على هدف عسكرى معزول. فى البيئات الحضرية، يتقلص هامش التفوق التكنولوجى، وتتضاعف صعوبة التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وتتزايد الخسائر المحتملة، كما تصبح القوات الأمريكية عرضةً للاستنزاف عبر الكمائن، والقنص، والعبوات، والمجموعات المحلية المدعومة من الحرس الثورى.

ومن أبرز المخاطر التى يلفت إليها التقرير أيضاً مشكلة الخروج. فحتى لو نجحت الولايات المتحدة فى السيطرة على جزيرة أو ميناء، يظل السؤال: كيف ستنسحب إذا بقيت الجمهورية الإسلامية معاديةً وقادرةً على المقاومة؟ التقرير يقول بوضوح إن هذا الأمر غير مؤكد، وإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها متورطةً فى احتفاظ طويلِ الأمدِ بأرض أجنبية. وهذا التقدير مهم للغاية، لأنه يعنى أن القوات الأمريكية قد تبدأ عمليةً محدودةً بهدف تكتيكى ضيق، ثم تنتهى فى حالة تمركز طويل لحماية نفسها وحماية الموقع الذى احتلته ومنع الإيرانيين من استعادته.

إذا كانت العملية تستهدف جزيرة «خرج» تحديداً، فإن الخطر يأخذ بعداً إضافياً. فالتقرير يوضح أن الجزيرة تمثل نحو 90% من صادرات إيران النفطية، ما يجعلها هدفاً اقتصادياً بالغ الأهمية. لكن هذا أيضاً يعنى أن الاستيلاء عليها قد يدفع إيران إلى تصعيد واسع ضد البنية التحتية للطاقة فى الخليج العربى، الأمر الذى لا يضاعف فقط الخطر الإقليمى، بل يوسع أيضاً مسرح الخطر على القوات الأمريكية نفسها، سواء فى البحر أو فى القواعد أو لدى الحلفاء الإقليميين. ويضيف التقرير أن من غير الواضح أصلاً ما إذا كانت إيران ستسمح للقوات الأمريكية بالسيطرة على الجزيرة من دون أن تحاول تدمير منشآتها أولاً. وبالتالى قد تصل القوات الأمريكية إلى هدف مدمر أو تسيطر على موقع باهظِ الكلفةِ فقد جزءاً كبيراً من قيمته العملية والسياسية.

مخاطر الغزو الشامل واسع النطاق

فى أكثر السيناريوهات تطرفاً، يناقش التقرير احتمال غزو برى شامل يهدف إلى إضعاف القدرات التقليدية لإيران أو السيطرة على مدن كبرى تمهيداً لإنهاء النظام. هنا تنتقل المخاطر من مستوى العمليات إلى مستوى الحرب الكبرى طويلة الأمد. فالتقرير يلفت إلى أن هزيمة الجيش الإيرانى والحرس الثورى على الأرض ستتطلب مئاتِ الآلافِ من الجنود من الجيش الأمريكى والمارينز والحرس الوطنى، وأن حشد هذا الحجم من القوات سيستغرق أشهراً، تماماً كما استغرق غزو العراق أكثر من ستة أشهر لحشد أكثر من 200 ألفِ جندى، مع فارق أن إيران أكبر وأصعب جغرافياً بكثير.

هذه المقارنة تكشف الخطر الرئيسى هنا: العبء العسكرى واللوجيستى الهائل. فالقوات الأمريكية لن تحتاج فقط إلى رجال وسلاح، بل إلى بنيةِ إسناد كاملة تشمل التموين، والنقل، والتدريب، والاستطلاع، والقيادة، والدعم الطبى، والوقود، وحماية خطوط الإمداد. ومع اتساع مساحة إيران وصعوبة تضاريسها، تصبح هذه المنظومة الضخمة هدفاً بحد ذاتها. وكلما اتسعت العملية، تضاعفت فرص الاستنزاف والانكشاف والتعثر.

ويؤكد التقرير أيضاً أن هذا السيناريو يواجه عقبةً تموضع جغرافى -سياسى. فنجاح غزو بهذا الحجم يحتاج إلى دول قريبة تستضيف القوات الأمريكية وتؤمن خطوط الإمداد. لكن التقرير يرجح أن تركيا والعراق لن يدعما مثل هذه العملية، ما يترك واشنطن أمام خيارات غير مريحة مثل إنزالات برمائية كبيرة من دول الخليج أو توغل محدود انطلاقاً من أذربيجان. هذه ليست مجرد صعوبات دبلوماسية، بل مخاطر مباشرة على القوات، لأن غياب القواعد المناسبة والممرات البرية الفعالة يزيد هشاشة الحشد، ويقيد حرية الحركة، ويرفع كلفة العملية قبل بدئها.

وفوق ذلك، يحذر التقرير من أن حملةً كهذه قد تستمر أشهراً أو حتى سنوات، خاصةً إذا اعتمدت الولايات المتحدة على قوىً محلية بالوكالة بدلاً من التقدم بنفسها من الساحل إلى طهران. وفى هذه الحالة، لا يقتصر الخطر على القتال نفسه، بل يشمل الانزلاق إلى احتلال طويل لإيران قد يستمر سنوات أو عقوداً، بما يستنزف القوات الأمريكية والموارد العسكرية، ويحرف الاهتمام الاستراتيجى الأمريكى بعيداً عن أوروبا وآسيا، ويؤدى فى النهاية إلى تآكل الدعم الشعبى الداخلى. أى أن المخاطرة هنا ليست فقط أن تخسر الولايات المتحدة معركةً أو موقعاً، بل أن تستنزف فى حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة.

المخاطر السياسية الداخلية

وتأثيرها على القوات

لا يفصل تقرير مركز ستراتفور بين سلامة القوات وبين البيئة السياسية داخل الولايات المتحدة. فهو يوضح أن أى توسع برى، وخاصةً فى مستوييه الثانى والثالث، سيحتاج إلى دعم سياسى وشعبى لا يبدو متوفراً بسهولة. وفى حالة الغزو الشامل، سيحتاج الأمر غالباً إلى تحرك من الكونغرس لتفويض التمويل والصلاحيات، لأن العملية ستتجاوز مهلة الستين يوماً المنصوص عليها فى قانون صلاحيات الحرب. وإذا تجاهل الرئيس هذا القيد، فقد يؤدى ذلك إلى أزمة سياسية جديدة بين البيت الأبيض والكونغرس، ما ينعكس على تمويل الحرب وشرعيتها واستمراريتها.

هذه ليست مسألةً مؤسساتيةً مجردةً؛ بل هى خطر فعلى على القوات فى الميدان. فالجندى الأمريكى الذى يدخل حرباً طويلةً يحتاج إلى يقين نسبى بشأن استدامة الدعم السياسى والمالى. أما إذا دخلت القوات فى عملية كبرى وسط انقسام داخلى أمريكى، فإنها تصبح عرضةً لخطر القتال فى حرب لم تُحسم إرادتها السياسية بعد. وهذا من أخطر أنواع المخاطر، لأن الإرباك الاستراتيجى فى العاصمة ينعكس فى النهاية على القرارات الميدانية، ومدى الاستمرار، وشكل الأهداف، وإمكانية الانسحاب أو التصعيد.

المخاطر الاستراتيجية العامة

من بين أكثر الأفكار أهميةً فى التقرير أن النجاح العسكرى المحدود لا يساوى نصراً استراتيجياً. فحتى لو نجحت غارات الكوماندوز أو التوغلات المحدودة أو حتى حملة أوسعُ فى توجيه ضربات قاسية، لا يوجد ضمان بأن ذلك سيؤدى إلى تغيير سلوك إيران أو إسقاط النظام. ويستند التقرير هنا إلى سجل تاريخى يبين أن الحروب الجوية نفسها فشلت مراراً فى فرض تغيير سياسى حاسم، كما حدث مع العراق فى التسعينات ومع ألمانيا واليابان قبل الحسم النووى فى الحرب العالمية الثانية. وهذه الفكرة تمتد ضمنياً إلى العمل البرى: أى أن القوات الأمريكية قد تواجه مخاطر ضخمةً وتحقق نجاحات ميدانيةً، من دون أن يتحقق الهدف السياسى النهائى.

كذلك يحذر التقرير من أن الوجود الأمريكى على الأرض الإيرانية قد يؤدى إلى نتيجة عكسية: بدل إضعاف الجمهورية الإسلامية، قد يعززها عبر تصلب الرد القومى داخل إيران. وهذا خطر بالغ على القوات، لأن أى عملية كان يفترض أن تضعف النظام قد تنتهى إلى توسيع قاعدته التعبوية، وزيادة حوافز المقاومة، وتحويل المعركة إلى صراع وجودى بالنسبة للنظام وأنصاره.

وفقاً لهذا التقرير الاستخباراتى الأمريكى، فإن المخاطر التى قد تواجه القوات الأمريكية فى حال الانتقال إلى عمل برى ضد إيران يمكن تلخيصها فى صورة أشمل كالتالى:

تواجه القوات الخاصة خطر الانكشاف داخل عمق معاد، وطول زمن المهمة، وفشل تحقيق أثر حاسم، والقتل أو الأسر.

تواجه قوات التوغلات المحدودة خطر الإنزال المعقد، والهجمات الصاروخية والمسيرة، والاستنزاف فى المدن أو الجزر، وصعوبة فك الارتباط، والتورط فى احتفاظ طويل بالأرض.

أما فى سيناريو الغزو الشامل، فتواجه القوات خطر الاستنزاف اللوجيستى، وتعقد الجغرافيا، وغياب الدعم الإقليمى الكافى، والانجرار إلى احتلال طويل، والتورط فى حرب قد تستمر سنوات مع تراجع الدعم الشعبى والسياسى الأمريكى.

بعبارة أوضحَ، الخطر على القوات الأمريكية لا يكمن فقط فى القتال ضد إيران، بل فى احتمال أن تتحول أى خطوة برية - حتى المحدودة منها - إلى مسار تصعيدى طويل، عالى الكلفةِ، وغير مضمون النتائج. وهذا ما يجعل أى قرار بإدخال قوات أمريكية إلى الأرض الإيرانية قراراً محفوفاً بمخاطر تتجاوز بكثير مجرد الحسابات العسكرية المباشرة.


مواضيع متعلقة