المواجهات العسكرية بالشرق الأوسط تدفع 45 مليون إنسان إلى حافة الجوع

كتب: محمود العيسوي

المواجهات العسكرية بالشرق الأوسط تدفع 45 مليون إنسان إلى حافة الجوع

المواجهات العسكرية بالشرق الأوسط تدفع 45 مليون إنسان إلى حافة الجوع

في وقت تتصاعد فيه المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار الصراع قد يدفع عشرات الملايين حول العالم إلى حافة المجاعة، في ظل اضطراب أسواق الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وترى صحيفة «تشاينا ديلي» أن الأزمة لم تعد إقليمية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي، خاصةً مع احتمال بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، واستمرار التوتر في مضيق «هرمز»، الذي يعد شرياناً رئيسياً للطاقة والتجارة الدولية.

وبينما تدعو الأمم المتحدة إلى العودة للدبلوماسية، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار القتال إلى أكبر موجة جوع يشهدها العالم منذ سنوات، مع اتساع رقعة النزوح، وتضرر البنية الصحية والإنسانية في عدد من دول المنطقة، وفي هذا السياق، أطلقت الأمم المتحدة تحذيراً شديد اللهجة من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد الأشخاص الذين يعانون من «انعدام الأمن الغذائي».

ووفقاً لتقديرات «برنامج الأغذية العالمي»، فإن عدد الأشخاص الذين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء قد يصل إلى مستويات قياسية هذا العام، إذا استمرت الأزمة الحالية في التأثير على الاقتصاد العالمي، وأوضح نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، أن تحليلاً جديداً يشير إلى احتمال انزلاق نحو 45 مليون شخص إضافي إلى مرحلة الجوع الحاد، أو ما هو أسوأ، إذا لم ينتهِ الصراع بحلول منتصف العام، وإذا ظلت أسعار النفط مرتفعة عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، حيث إن هذا الارتفاع في الأسعار لا يؤثر فقط على الوقود، بل ينعكس مباشرة على تكلفة النقل والإنتاج الزراعي، وهو ما يهدد الدول الفقيرة بشكل خاص.

وتشير الصحيفة الصينية، في تقريرها، إلى أن أحد أخطر تداعيات الصراع يتمثل في التوتر حول مضيق «هرمز»، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، خاصةً أن تعطّل الملاحة في هذا الممر الملاحي لا يؤدي فقط إلى تقليص تدفقات الطاقة، بل يعرقل أيضاً شحنات الأسمدة، وهي عنصر أساسي في الإنتاج الزراعي العالمي، حيث تحذر وكالات الأمم المتحدة من أن نقص الأسمدة قد يؤدي إلى تراجع المحاصيل في عدد من الدول النامية، ما يزيد من احتمالات حدوث أزمات غذائية واسعة النطاق، خلال الأشهر المقبلة.

ويرى التقرير أن استمرار الأزمة في مضيق «هرمز» قد يجعل تأثير الحرب عالمياً، وليس محصوراً في الدول أطراف الصراع، في ظل تصاعد الاحتياجات الإنسانية في المنطقة، ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية «أوتشا»، تعمل المنظمة وشركاؤها على توسيع نطاق المساعدات الإنسانية في عدد من الدول المتأثرة، من خلال توفير الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الطبية للنازحين.

ففي لبنان، قامت وكالات الأمم المتحدة بتوزيع أكثر من مليون وجبة ساخنة، إضافة إلى آلاف حزم الإمدادات الأساسية وأغطية النوم، في مراكز الإيواء الجماعي، فضلاً عن توفير مئات آلاف اللترات من المياه النظيفة، لكن هذه الجهود، بحسب التقرير، ما زالت أقل من حجم الاحتياجات، في ظل تزايد أعداد النازحين وتضرر البنية التحتية، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون شخص سجلوا كنازحين نتيجة أوامر الإخلاء، بينهم مئات الآلاف من الأطفال، في حين يقيم جزء محدود فقط في مراكز إيواء رسمية.

وأعرب مكتب تنسيق الشئون الإنسانية عن قلقه الشديد من استهداف المنشآت الصحية، مؤكداً أن الهجمات الأخيرة أدت إلى مقتل عدد من المسعفين وإصابة آخرين، كما أن هذه الهجمات تزيد الضغط على النظام الصحي في الدول المتضررة، وتعرض العاملين في المجال الطبي لمخاطر متزايدة، أثناء تقديم الرعاية المنقذة للحياة.

وترصد «تشاينا ديلي» جانباً من الخسائر في البنية التحتية نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشيرةً إلى تضرر مئات المنشآت الصحية في طهران وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، كما سقط عدد من العاملين في المجال الطبي بين قتيل وجريح، كما تعرضت آلاف المنازل والبنية التحتية للمياه لأضرار واسعة، وفي دول الخليج، تم تسجيل سقوط ضحايا مدنيين نتيجة العمليات العسكرية، مع وقوع إصابات عديدة، وهو ما يعكس اتساع نطاق تأثير الصراع خارج مناطق القتال المباشر.

وبينما تواصل الأمم المتحدة مناشداتها بضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الإنساني الدولي، وحماية المدنيين والعاملين في المجال الطبي والإنساني، تشير الصحيفة الصينية، في تقريرها، إلى أن القيود المفروضة على المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، أدت إلى تراجع كبير في دخول المساعدات، حيث أصبحت الشحنات تصل بكميات محدودة للغاية، كما أن استمرار القصف في المناطق السكنية يزيد من مخاطر سقوط ضحايا مدنيين، ويجعل إيصال المساعدات أكثر صعوبة، وترى المنظمات الإنسانية أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تدهور سريع في الوضع الغذائي والصحي داخل القطاع.

وتعتبر «تشاينا ديلي» أن «أخطر ما في الأزمة الحالية، هو الترابط بين الصراع العسكري والاقتصاد العالمي»، فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة تكلفة الغذاء والنقل، وتعطل الملاحة يحد من تدفق السلع، وتراجع الإنتاج الزراعي يزيد من نقص الإمدادات، وهو ما يدفع مزيداً من الدول إلى أزمات إنسانية، ويحذر التقرير من أن العالم قد يواجه موجة جوع واسعة، إذا لم يتم احتواء الصراع سريعاً، خاصة أن عدداً كبيراً من الدول النامية يعتمد على استيراد الغذاء والطاقة.

وفي حين تؤكد الأمم المتحدة أن الحل الوحيد لتجنب تفاقم الأزمة هو العودة إلى المسار الدبلوماسي، ووقف التصعيد العسكري، الذي يهدد بتحويل أزمة إقليمية إلى كارثة عالمية، تحذر الصحيفة الصينية، في ختام تقريرها، من أن استمرار القتال لن يقتصر تأثيره على الشرق الأوسط، بل سيطال الأمن الغذائي والاقتصادي في العالم بأسره، وهو ما يجعل إنهاء الصراع ضرورة إنسانية، قبل أن يكون خياراً سياسياً.