حين يقترب الخطر.. يصبح الاصطفاف فريضة!

كنت أنتوي - بعد شهرٍ كاملٍ من الصمت الاختياري الذي فرضته على نفسي مع قدوم شهر رمضان - أن أعود للكتابة بروح أكثر هدوءاً.. أن أتحدث عن روحانيات الشهر الكريم، عن صفاء النفس، عن تلك اللحظات التي نعيد فيها ترتيب الداخل قبل الخارج. أو ربما كان من الأجدر أن أتناول قضيةً مجتمعية تمس تفاصيل حياتنا اليومية، أو أن أفتح نافذةً للنقاش حول هموم الناس وآمالهم.

لكن، وعلى غير ما خططنا، تطفو الأزمات الإقليمية على السطح، لا كخبرٍ عابر، بل كواقعٍ ضاغط يفرض نفسه على كل شيء، حتى على أولوياتنا الفكرية والإنسانية. حين تدق طبول الحرب على مقربةٍ منا، يصبح الصمت نوعاً من الترف، ويصبح الانشغال بالتفاصيل الصغيرة ضرباً من التغافل عن حقيقةٍ أكبر.

الكل يبحث عن المعلومة والتحليل والرأي السياسي في كل مكان طوال الوقت.. ولكنني أعتقد أن الأهم حالياً ليس في ماذا يحدث؟ بل ماذا علينا أن نفعل؟

في اعتقادي أن أول ما يجب أن نفعله حين تدق طبول الحرب بالجوار، هو أن نُحسن الإمساك بالوطن.. أن نقبض عليه جيداً، لا أن نتنازعه.

من حق البعض أن يتحفظ على زيادة أسعار الوقود، أو أن يتناقش حول مواعيد غلق المحلات، بل وحتى أن يختلف مع صيغة دعاء شيخ في صلاة العيد.. كلها مساحات طبيعية للرأي، ولا تنتقص من الوطنية، بل إنها في بعض الأوقات قد تعكس الحرص على تفاصيل الحياة داخل هذا الوطن.

لكن الفارق الجوهري يكمن في التوقيت، وفي طبيعة الخطاب. حين تتحول هذه القضايا إلى محور صراع يطغى على إدراكنا لحجم الخطر المحيط بنا، أو حين تستخدم كمدخل للتشكيك في الدولة أو إضعاف الثقة فيها، فإننا نكون قد انتقلنا من مساحة النقد إلى مساحة الإضرار بقصد أو بدونه.

إن الالتفاف حول القيادة السياسية في أوقات الخطر يعني ترتيب الأولويات، وتأجيل ما يمكن تأجيله، وتقديم ما لا يحتمل التأجيل. فهناك لحظات تدار فيها الدول بعقلٍ جماعي متماسك، لا بأصواتٍ متفرقة، مهما كانت وجاهتها.

التاريخ يخبرنا أن الدول لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي. قد تمتلك الدولة كل أدوات القوة، لكنها تفقد فاعليتها إذا تآكلت جبهتها الداخلية، أو انشغل أبناؤها بصراعاتٍ جانبية في لحظة تحتاج إلى اصطفاف واضح.

وفي موازاة ذلك، علينا أن نكون أكثر وعياً بطبيعة المعارك التي تُدار حولنا، والتي لم تعد كلها على الأرض. فهناك معارك تُخاض بالكلمات، بالشائعات، بمحاولات التشكيك وبث القلق، وكسر الثقة بين المواطن ودولته. هذه معارك لا تقل خطورة؛ لأنها تستهدف الوعي قبل أن تستهدف الواقع.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا تتجاوز حدود الرأي إلى حدود الوعي. أن نتحقق قبل أن نصدّق، وأن نزن ما نقوله قبل أن ننشره، وأن ندرك أن الكلمة قد تكون موقفاً، وقد تكون كذلك أداة في معركة لا نراها.

في النهاية، حين تدق طبول الحرب بالجوار، لا يُطلب منا أن نتخلى عن عقولنا، بل أن نُحسن استخدامها. لا يُطلب منا أن نصمت، بل أن نُدرك متى وكيف نتكلم.

أن نلتفّ جميعاً حول راية هذا الوطن، لا حول تفاصيل خلافية عابرة، وأن ندرك أن قوة مصر لم تكن يوماً في غياب الاختلاف، بل في قدرتها الدائمة على البقاء موحدة، مهما اشتدت العواصف من حولها.. أو هكذا أعتقد..!