محمود فوزي السيد يكتب: هاني شاكر.. تلميذ الموجي الذي توج أميرا للغناء
محمود فوزي السيد يكتب: هاني شاكر.. تلميذ الموجي الذي توج أميرا للغناء
في مطلع السبعينات قدم الموسيقار الراحل محمد الموجي صوتاً جديداً لشاب صغير السن يُدعى هاني شاكر، قرّر اكتشافه وتبنيه فنياً، ليعطيه خلاصة تجربته مع الموسيقى، وهو من يكون في عالم الأغنية المصرية والعربية، فقدّم له أولى أغنياته في عالم الاحتراف بعنوان «حلوة يا دنيا»، وهي الأغنية التي اعتقد البعض عند سماعها للمرة الأولى من خلال أثير الإذاعة أنها بصوت عبدالحليم حافظ، للتشابه الشديد بينها وبين أغنيات العندليب الأسمر التي صنعها له الموسيقار محمد الموجي، وبعد معرفة صاحب الأغنية، وأنه صوت شاب تبنّاه الموجي، ربط البعض بين هذا التبني الفني والخلافات التي جمعت الموجي بعبدالحليم آنذاك، مُعتقدين أن الشاب الصغير هو اكتشاف الموسيقار الكبير لمنافسة عبدالحليم حافظ إثر هذا الخلاف بينهما، واتّهمه البعض وقتها بأنه يحاول النجاح بتقليد عبدالحليم، وأن ما يفعله قادر على إنهاء مسيرته قبل بدايتها بسبب وجود النسخة الأصلية وهو عبدالحليم حافظ.
لكن مع الوقت تأكد الجميع أن ظهور النجم الشاب لا علاقة له بهذا الأمر، وأن ما حدث هو عادة الموسيقار الكبير محمد الموجي في اكتشاف أصوات جديدة ودعمها بألحانه العظيمة التي طالما صنعت أيقونات غنائية مع عبدالحليم وغيره من المطربين.. ليخرج هاني شاكر من رحم تلك الفترة الزمنية الثرية بالموسيقى والنجوم الكبار، سواء من المطربين أو الملحنين والشعراء؛ فهو ابن هذه التجربة المهمة في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية؛ تجربة الأصالة وسيطرة الصوت الجميل على الحالة الغنائية.
أرى في هاني شاكر المطرب الذي يُعد فاصلاً بين جيلين في الغناء، جيل عبدالحليم والأجيال التالية له. وقت ظهوره لم تكن الساحة الغنائية قد استوعبت بعد وجود مطربين «شباب» أمثال عمر فتحي وعماد عبدالحليم ومحمد منير، ومن بعدهم عمرو دياب ومحمد فؤاد وبقية مطربي الثمانينات، عاش على هذا النحو لعدة سنوات، وقدم أول ألبوماته «كده برضه يا قمر» الذي أثبت به أنه لم يأتِ للسير على نهج عبدالحليم حافظ أو من سبقوه من المطربين الكبار، وأنه مطرب صاحب شخصية لا يحتاج إلا بعض الوقت لترسيخها لدى الجمهور، وطوال سنوات عمره الفني حرص هاني شاكر على الحفاظ على الخيط الرفيع الذي يربط الأصالة في الغناء، المتمثلة في المدرسة القديمة من جانب؛ والحداثة والتطور والتعايش مع مستجدات الأغنية من كلمات وألحان وتوزيع موسيقي من جانب آخر، فشهدت فترة الثمانينات والتسعينات حالة من التألق الكبير لهاني شاكر الذي أصبحت ألبوماته من الأعلى مبيعاً في سوق الكاسيت وقتها لما تميز به من القدرة على المزج بين الأغنية الطربية وبين التوزيعات الموسيقية الجديدة؛ لكنه لم يُفكر يوماً في مغادرة تلك المنطقة الآمنة والعمل مع موزعين موسيقيين من «أصحاب الموضة» وقتها، والذين سيطروا على صناعة الأغنية، لأنه لم يجد نفسه يوماً قادراً على الغناء من تلك المنطقة التي تعتمد بشكل أكبر على التوزيعات الموسيقية «الشبابية وقتها»، وظل محتفظاً بالأسماء نفسها التي يتعاون معها، والتي تنفذ له أفكاره الموسيقية.
وسنوات تلو الأخرى رفع محبو الطرب الأصيل هاني شاكر إلى مرتبة «أمير الغناء العربي» لما يتميز به من أسلوب رصين في الغناء، لكنه لا يفتقر في الوقت ذاته إلى الحداثة، وتحولت حفلاته إلى مساحة من الطرب الأصيل، وكانت دائماً حفلات كاملة العدد، سواء في مصر أو كل أنحاء العالم العربي، ليُثبت أحقيته باللقب كونه أحد أهم الأصوات الأصيلة في تاريخ الأغنية المصرية، وخلال تلك السنوات حافظ هاني شاكر على شكل حفلاته، ولم يفكر يوماً في اللجوء إلى تغييرات جذرية في برنامجها أو الاستعانة بعوامل مساعدة غير صوته وأغنياته، وظل رهانه على نجاح الطرب الأصيل وجمهوره هو الرهان الرابح، ليكتب اسمه بحروف من ذهب في كتاب تاريخ الموسيقى العربية.
الفنان الكبير هاني شاكر يعيش حالياً محنة مرض، ويستكمل علاجه خارج مصر، وحسب بيان لنقابة الموسيقيين فإنه بدأ رحلة التعافي من تلك الأزمة الصحية الصعبة التي يعيشها منذ أكثر من شهرين إثر عملية جراحية دقيقة أجراها مؤخراً، وأمام ما قدم لنا ولمهنته ولتاريخ الأغنية المصرية فهو يستحق منا جميعاً الدعاء له بالشفاء وتجاوز تلك الأزمة والخروج من المحنة، ليُكمل رحلته أميراً للأغنية العربية.