«سدرة» عالم الهندسة الإلكترونية المرموق

من مصر خرج، حاملاً شغف العلم وطموحاً لا يعرف الحدود، حتى صار واحداً من أبرز الأسماء الأكاديمية والهندسية في كندا والعالم. إنه العالم الكبير الدكتور عادل سدرة، أحد الرموز العلمية المصرية اللامعة في مجال الهندسة الكهربائية وهندسة الكمبيوتر، والرئيس السابق لجامعة تورنتو الكندية، وعميد كلية الهندسة الأسبق بجامعة واترلو.

تلقى في مصر تعليماً حكومياً عالمياً متميزاً في عدة محافظات (أسيوط والقاهرة والدقهلية والمنوفية) حيث كان ينتقل مع والده الطبيب مفتش الصحة في عهد الملكية.

وُلد الدكتور عادل سدرة في أسيوط عام 1943، ومن مدرسة منوف حصل على الثانوية العامة وكان الأول على الجمهورية فكرّمه الرئيس جمال عبدالناصر في عيد العلم عام 1959 ثم كان أول دفعته في هندسة القاهرة عام 1964 قبل أن يشد الرحال إلى كندا، حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة تورنتو عامي 1968 و1969.

ومنذ انضمامه إلى هيئة التدريس بالجامعة نفسها عام 1969، بدأ مساراً أكاديمياً لافتاً، تدرج فيه سريعاً من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، ثم أستاذ كامل عام 1978. لم يكن «سدرة» مجرد أستاذ جامعي بارز، بل كان أيضاً قائداً أكاديمياً من طراز رفيع. فقد تولى رئاسة قسم الهندسة الكهربائية بجامعة تورنتو بين عامي 1986 و1993، ثم شغل مناصب عليا بالجامعة، قبل أن يتولى رئاستها خلال الفترة من 1993 إلى 2002، وهي سنوات شهدت إطلاق خطط استراتيجية بعيدة المدى عززت مكانة الجامعة ورسخت رؤيتها المستقبلية.

وفي يوليو 2003، انتقل إلى جامعة واترلو، ليتولى منصب عميد كلية الهندسة وأستاذ الهندسة الكهربائية وهندسة الكمبيوتر، حيث قاد الكلية حتى يونيو 2012، واضعاً بصمته الواضحة على تطويرها وتخطيطها الاستراتيجي، ومؤكداً حضوره كأحد أبرز القيادات الأكاديمية في كندا. علمياً، يعد الدكتور عادل سدرة من الأسماء اللامعة في مجال الإلكترونيات الدقيقة، حيث تركزت أبحاثه على تطبيقاتها في أنظمة الاتصالات ونظريات تصميم الدوائر.

وقد نشر ما يقرب من 150 بحثاً علمياً، وعمل مستشاراً للصناعة والحكومات في كندا والولايات المتحدة، كما شارك في تأليف عدد من أهم المراجع العلمية في تخصصه. ويبقى كتابه الأشهر حول الرقائق الإلكترونية متناهية الصغر «Microelectronic Circuits»، الذي شارك في تأليفه علامة فارقة في تاريخ تدريس الهندسة الإلكترونية، إذ تُرجم ونُشر بعشر لغات، وحقق أكثر من مليون نسخة مطبوعة، وظل لعقود أحد أكثر الكتب اعتماداً واقتباساً في هذا المجال حول العالم.

وإلى جانب عطائه العلمي والأكاديمي، كان «سدرة» حاضراً في دوائر البحث والتخطيط العلمي، فشغل عضويات ومهام رفيعة في مؤسسات بحثية وعلمية كندية مرموقة، وأسهم في دعم الابتكار وربط الجامعة بالصناعة، كما عمل محرراً ومشرفاً على سلاسل علمية متخصصة في مطبعة جامعة أكسفورد البريطانية.

وقد حصد الدكتور عادل سدرة، على مدار مسيرته الطويلة، عدداً كبيراً من التكريمات والجوائز وأرفع الأوسمة، كما انتُخب زميلاً في كبرى الهيئات العلمية والهندسية، منها معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، والأكاديمية الكندية للهندسة، والجمعية الملكية الكندية. ونال درجات دكتوراه فخرية من عدد من الجامعات الكبرى، تقديراً لإسهاماته العلمية والإدارية البارزة.

ولم يكن غريباً أن تحمل بعض الجوائز والمراكز اسمه تكريماً له؛ فقد أنشأت جمعية خريجي جامعة تورنتو «جائزة عادل سدرة للخريجين المتميزين»، كما أطلقت جامعة واترلو اسمه على مركز تصميم الطلاب بها، وفاءً لرجل لم يكن مجرد أستاذ أو عميد أو رئيس جامعة، بل كان صانع أجيال وباني مؤسسات وصوتاً علمياً مصرياً مشرّفاً في المحافل الدولية.

«د. سدرة» يؤمن بأهمية المنهج العلمي في التفكير سواء للأفراد أو للمؤسسات والدول، ورغم أنه حقق إنجازات علمية عظيمة في الخارج، فإنه كان وما زال يتمنى أن يقدم خدماته متطوعاً لبلاده صاحبة الفضل عليه وأن تستفيد من علمه وخبرته هو وأمثاله الآلاف من علماء مصر المتميزين في الخارج.

إن سيرة الدكتور عادل سدرة ليست فقط قصة نجاح أكاديمي لافت، بل هي أيضاً حكاية عالم مصري آمن بأن العلم يمكن أن يفتح أبواب العالم كله، وأن التفوق الحقيقي لا يقف عند حدود الوطن، بل يبدأ منه.