«مو صلاح» الفكرة وضبابية الحرب

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

محمد صلاح فكرة، والفكرة لا تنتقل من ملعب إلى آخر، أو تعتزل، أو تنتهي. تتطور، تتعدّل، تنمو، تتوسع، والأهم من كل ذلك أنها تظل مصدر إلهام. وبما أنني لست من متابعي كرة القدم، أو قواعدها، أو سياسات شراء اللاعبين وبيعهم... إلخ، فإن المواطن المصري محمد صلاح فكرة. وهو أثبت أن الفكرة رائعة وعظيمة ومُلهمة وغير قابلة للإلغاء أو الانتهاء.

ذكي، لا في اختياراته المهنية وطريقة لعبه التي جعلت منه أيقونة، لا في مصر أو بريطانيا فقط، بل في العالم كله، ولكن في قدرته على الاندماج في المجتمع البريطاني دون أن يفقد هويته وأصله وجذوره. ظهر وأسرته بمظهر متحضّر مشرف. حاز حب أقرانه والجمهور، وكذلك احترامهم.

لم يزج بنفسه في الدفاع عن جماعة، أو يستغل الملعب لأغراض السياسة أو الدين. وعلى ذكر الدين، فإن البحث عن الإسلام وتعاليمه من قِبل أشخاص أرادوا معرفة خلفية هذا اللاعب دون أن يغرق في هسهس إظهار تديّنه، أو هلاوس نشر الدعوة والدين في الملعب، أو تقديم خلطة الدين بالسياسة الجهنمية، هو خير الطرق لمعرفة الدين. بمعنى آخر، الفكرة الصالحة تفرض نفسها، لا بنشر أفكار جماعة ما، أو بالمتاجرة عبر معتقد أو دين. تفرض نفسها بأن يكون صاحبها نموذجاً يُحتذى، وترجمة فعلية لكيف يمكن للشخص العادي أن يكون فوق العادي بعمله واجتهاده وذكائه وموهبته، لا بانتمائه لجماعته أو متاجرته بمواقفها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن النموذج الأخير الذي يدين بالولاء للجماعة، لا الوطن أو الموهبة، ومن يسمح لنفسه للمتاجرة بأفكار الجماعة للضحك على الذقون، يجد نفسه في موقف مُحرج وسخيف ورذيل حين تنقلب الأمور وتتغير مصالح الجهة الداعمة لجماعته، ويجد نفسه مضطراً لتغيير جلده وتبديل توجّهه، وذلك «على الهواء مباشرة».

وعلى ذكر الهواء مباشرة، فإن صحتنا النفسية والعصبية والعقلية في خطر داهم جراء متابعة أخبار وتحليلات وتقلّبات حرب أمريكا وإسرائيل على إيران وامتداداتها في المنطقة. متابعة الحروب والصراعات على الهواء مباشرة أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا منذ عام 1991. فمنذ حرب الخليج الثانية، ونحن نتابع الحروب والصراعات الكبرى على الهواء مباشرة. هذه المتابعة تحمل قدراً غير قليل من القلق والخوف وعدم اليقين لكل متابع. أما هذه الحرب، فتحمل ما هو أكثر.

لم يعد الأمر متوقفاً على بث مسارات المسيرات والصواريخ، والمباني والأهداف المستهدَفة، وحركة الشوارع في مدن الحرب «الآن»، لكن هذا الكم من التصريحات المتضاربة، والمواقف المتغيّرة، والرسائل المتشابكة، والتي يتم نقلها على الهواء مباشرة، لا من وحي السوشيال ميديا المدمر، أو نقلاً عن «خوابير» الحرب والجيوسياسة وعلوم المستقبليات من مدعي المعرفة والعلم، بل من أفواه البعض من القائمين على الحرب أنفسهم، وكأن قلق الحرب، وعديم يقين مآل الصراع، لا يكفيان، فإذ بالتضارب والتناقض والتلويح بالسلام مرة، وبالحرب مرة، وبالإبقاء على المنطقة على صفيح ساخن مستدام مرة يضرب صحتنا النفسية والعصبية في مقتل.

الحل ليس الانقطاع عن المتابعة، أو الإغراق في السوشيال ميديا التي تحولت منصات ذات قوة قتل ثلاثية: للعقول، والقلوب، والمعارف، حيث الحقيقة تحولت ضباباً، والواقع أقرب ما يكون إلى بالونات هواء. الحل ترشيد المتابعة، مع التدقيق في ماهية الأخبار، ومصادرها، وأجندات المصالح، والتي هي بالمناسبة أصبحت سمة لكل المؤسسات الإعلامية دون استثناء واحد.

المقترح الآخر هو ترشيد الانجراف وراء الميول الحنجورية، والأهواء الجعجاعية، وكلاهما بالمناسبة «مخوخ» تماماً. ساعة الجد لا وجود لهما. ويحضرني في مسألة الحنجورية والجعجاعية، وكذلك منظومة خلط الدين بالسياسة، وتجارة الدين المتمثلة في إلغاء العقول والإبقاء على الملايين في خانة «آمين» لكل ما يصدر عن فلان أو علان باعتبارهما «علماء»، ما يغرد به ويكتبه ويبثه البعض ممن نصّبوا أنفسهم «علماء دين» و«مشايخ» في شأن الحرب الدائرة.

ولو كنت ممن بيدهم اتخاذ القرارات لحاسبتهم بتهمة تغييب العقول، والضحك على الذقون بالذقون، وبث الخرافات، ومناطحة الدولة في مسئولياتها من علاقات خارجية ودفاع وأمن وداخلية وثقافة وإعلام وتعليم. الغرض ليس تحجيماً لحرية التعبير، ولكن ما ينفثه البعض ممن يسمون أنفسهم «مشايخ» أو «خبراء تنمية بشرية دينية» وغيرهم من سموم تتعلق بالحرب، ومن نناصر، ومن نعادي، إلخ ليس حرية تعبير، بل حرية تخريب.

وما دُمنا ذكرنا من بيدهم اتخاذ القرارات، وبعد توجيه التحية لقرارات الترشيد تحسّباً لآثار الحرب الدائرة، والتي تلقي بظلالها على الكوكب، لا على مصر والمصريين فقط، أقول وأطالب بمراجعة لقرار إطفاء الإنارة تماماً على الطرق السريعة، والتي لم تعد طرق سفر فقط، ولكنها السبيل الوحيد لتحرك المواطنين من وإلى أعمالهم وسكنهم. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر، طريق السويس الذي تحول إلى كتلة حالكة السواد، رغم أنه الطريق المؤدي لسكان الرحاب والتجمع ومدينتي والشروق وبدر وهليوبوليس الجديدة والعاصمة الجديدة. المؤكد أن هناك حلاً وسطاً يجمع بين الترشيد وضمان السلامة. الوضع الحالي كارثي بمعنى الكلمة.