ماذا علمنا محمد صلاح ثقافيا؟

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

من الممكن أن يتعجب ويندهش البعض من طرح هذا السؤال، فمحمد صلاح من الممكن أن يعلمنا رياضياً، لكن ماذا يعلمنا ثقافياً، فهو لا يرتدي نظارة سميكة، ولا يضع على صفحته اقتباسات من نيتشه أو برتراند راسل، لكن منذ متى كانت الثقافة كلاماً في الفلسفة، وتقعراً، وأوبرا وباليه فقط، الثقافة سلوك، فردي وجماعي، وهذا ما فعله صلاح، دشن سلوكيات ثقافية، بدأت تسري عند الشباب المصري، الذي اتخذه قدوة ونموذجاً وأيقونة.

نبدأ من الخطوة القريبة، خطوة إعلان ترك فريق ليفربول، منتهى الرقي، بيان متوازن، ليست فيه كلمات ردح، أو كلمات نابية، أو «تشفى»، أو سرسجة رخيصة، تصرف شيك، ومغادرة هادئة، محاطاً بحب جمهور، واحترام إدارة، ترك الفريق وهو أيقونة ليفربول، ومعبود المدينة التي أفرزت البيتلز ومو صلاح.

محمد صلاح علمنا ثقافياً كيف يكون الاندماج مع الغرب، اندماج بدون انسحاق، تشرَّب ثقافتهم، وفتح مسامه لتغيير الأفكار، والتأقلم. تعلم اللغة الإيطالية والإنجليزية، عرف أن اللغة مفتاح الفهم، ثم لم يتخذ، وهو ابن الريف، موقفاً رافضاً لثقافتهم، احتفل مثلهم بعيد الكريسماس، بدون حساسيات متخلفة، ولم يمنعه هذا من الاحتفال بعيد الفطر والأضحى أيضاً.

استطاع أن يجعل نفسه «براند»، ويحافظ على صورته، ويعرف أن كل خطوة محسوبة عليه، لم يتناسَ بلده ومشكلاته، شارك في حملة إعلانية ضد المخدرات، لأنه يعرف جيداً خطرها على الشباب، وتبرَّع لمشاريع خيرية في قريته، لم يمارس استفزازاً في الملاعب بإثارة الجمهور المنافس بحركات رخيصة، كان مصراً على الترويج للأماكن السياحية في مصر، من خلال توثيقها في صور، مستغلاً عدد الفولورز الضخم على صفحاته في السوشيال ميديا.

محمد صلاح علم الشباب ثقافياً ماذا تعني كلمة إرادة؟، من لاعب مغمور في فريق المقاولين، يسافر بالقطار من نجريج يومياً لحضور التدريبات، ثم الانتقال لأعظم أندية العالم، الإصرار على الحلم، قدرة رهيبة على الثبات الانفعالي واحتمال التنمر، هاجمه الإخوان بضراوة وقسوة، وهو لا يهتم إلا بالتركيز على لياقته ومستقبله، علاقاته الاجتماعية منضبطة، استطاع تعديل الصورة الذهنية عن اللاعب اللعوب المحترف في الخارج، صرامة في كل التفاصيل، حتى تفاصيل طعامه محسوبة بالجرام، محمد صلاح نموذج رياضي أتمنى أن يتكرر، أعرف أنه صعب، لكن ما تركه ويتركه في نفوس شبابنا من الممكن أن يصنع ألف محمد صلاح، بالتوفيق في خطوتك القادمة يا أجمل رياضي أنجبته المحروسة.