جولة «السيسي» الخليجية.. مصر تعود إلى قلب معادلة الأمن العربي

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

مصر دائماً تجدها في الوقت والمكان المناسب، وحينما انفجرت الخلافات في المنطقة العربية بعد الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل، ظهرت أبواق الشر ودعاة الفتنة والانقسام الذين روّجوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإحداث الوقيعة بين أبناء العروبة، وبثّوا سمومهم في الصف العربي، والتشكيك في قدرة العرب على أن يقفوا موقفاً واحداً إزاء ما يحدث من اعتداءات إيرانية غاشمة على الدول العربية.


وهنا ظهر الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومن خلال زياراته السريعة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والبحرين، استطاع بحكمته أن يسهم مع أشقائه العرب في التعامل بحكمة وعقل مع ما يحدث في المنطقة، وإظهار حقيقة الدم العربي والأخوة العربية، ودور مصر باعتبارها الأمة الحاضنة لكل الدول العربية.

‎وتأتي هذه الجولة الخليجية التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً غير مسبوق في التوترات السياسية والعسكرية، ما جعل هذه الزيارة تحمل طابعاً «مكوكياً» يعكس سرعة التحرك وأهمية التنسيق المشترك بين الدول العربية.

‎ولم تكن الزيارة مجرد جولة بروتوكولية، بل جاءت في إطار تحرك مصري نشط يستهدف احتواء الأزمات المتلاحقة في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات اتساع رقعة الصراع. وقد ركزت اللقاءات على ضرورة خفض التصعيد، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون لها تداعيات خطيرة على أمن المنطقة والعالم.
والأهم في هذه الجولة أنها لم تكن مجرد تضامن سياسي، بل إنها إعلان واضح بأن القاهرة لا تزال رقماً صعباً في معادلة الأمن العربي.


‎وهناك من المحللين السياسيين الذين ربطوا بين هذه الجولة للرئيس السيسي وتراجع «ترامب» عن ضرب إيران وإمهالها مدة خمسة أيام، بعد أن ذكر أن هناك مفاوضات بين أمريكا وإيران، وعلى الرغم من نفي إيران لهذه المفاوضات، فإنها في الوقت نفسه أعلنت أن هناك دولاً تقوم بدور الوساطة، ورجّح الخبراء أن هذه الوساطة قامت بها مصر مع عدد من الدول ومنها الإمارات والسعودية وقطر وباكستان.
‎وحرص الرئيس السيسي على التأكيد أن أمن دول الخليج هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي، وأنها تقف إلى جانب هذه الدول في مواجهة أي تهديدات.

‎كما حملت الجولة رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن الدول العربية قادرة على إدارة أزماتها عبر الحوار والتنسيق، وأنها ترفض أي محاولات لزعزعة استقرارها أو جرّها إلى صراعات مفتوحة.
‎في المجمل، تعكس هذه الزيارة تحركاً استراتيجياً مصرياً يعزز من دورها كفاعل رئيسي في منظومة الأمن العربي، ويؤكد أهمية الشراكة مع دول الخليج في مواجهة التحديات المشتركة، كما تمثل خطوة مهمة نحو إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في منطقة تعاني من اضطرابات متلاحقة.

‎ولاقت جولة الرئيس السيسي ترحيباً واسعاً على المستويين الرسمي والشعبي في دول الخليج، حيث أبرزت وسائل الإعلام الخليجية أهمية الزيارة ودلالاتها، معتبرة إياها تأكيداً عملياً على قوة الروابط الأخوية بين مصر ودول الخليج، ‎ولم تقتصر دلالات الجولة على الجانب السياسي فقط، بل امتدت لتشمل رسائل ردع واضحة لأي محاولات تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة أو النيل من أمن دولها، حيث شددت على رفض مصر القاطع لأي اعتداءات تمس سيادة الدول الخليجية أو تستهدف منشآتها الحيوية، خاصة أنها دول تسعى دائماً إلى التهدئة وتجنب التصعيد.


‎كما تعكس الزيارة التزام مصر بمبدأ الأمن العربي المشترك، وإحياء فكرة العمل العربي الجماعي في مواجهة التحديات، بما في ذلك الدعوات السابقة لتشكيل قوة عربية مشتركة قادرة على التصدي للأخطار التي تهدد المنطقة، وهو ما يعزز من فرص بناء موقف عربى موحد قائم على التضامن والتكامل في مواجهة الأزمات.
‎والجدير بالذكر أن هذه الجولة أسهمت فى قطع الطريق على محاولات بث الفرقة بين الدول العربية، خاصة تلك التى تروج لها بعض منابر الذباب الإلكترونى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث جاءت الرسالة واضحة: وحدة الصف العربي هى السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة.

في النهاية.. جاءت الجولة الخليجية للرئيس السيسي في لحظة تختبر فيها المنطقة قدرتها على التماسك، لتؤكد أن العرب، إذا صدقت النوايا وتوحدت الإرادة، قادرون على حماية أمنهم بأنفسهم، وإغلاق أبواب الفتنة قبل أن تتحول إلى نيران مفتوحة.