عبء إسرائيل على الغرب (1)

لم تولد البيئة الاجتماعية الغربية، التي باتت الآن متبرمة من النزعة العدوانية الإسرائيلية التي تفجر الحروب دوماً، بين عشية وضحاها، إنما لها جذور في الثقافة الغربية، ضربها أولئك المدافعون عن السلام، والتي يمكن أن نجد أمثلة ناصعة لها في كتاب الفيلسوف الألماني الشهير عمانويل كانط «مشروع السلام الدائم»، الذي رأى النور عام 1795 ووضع فيه خطة خلاص للبشرية تقوم على رفض الحروب، ووضع الخطط والتصورات التي تحول دون اندلاعها.

وفي ثلاثينات القرن العشرين ألفت السويدية آنا ت. نيلسون كتاباً تناولت فيه الحركات الشعبية التي قامت في أوروبا والولايات المتحدة، لخدمة قضية السلام العالمي.

وإلى جانب هذه التصورات الطوباوية، التي لم تحل دون اندلاع الحروب، هناك التصورات الإجرائية أو العملية التي ظهرت عقب حدث 11 سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة، والذي نسب خطاب إلى منفذيه المعلنين يربط بين استهداف برجي مبنى التجارة العالمي في نيويورك وبين الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل.

من بين هذه التصورات أقدم اثنين، الأول هو ما أورده الأكاديميان الأمريكيان ستيفن والت وجون ميرشايمر في دراسة لهما بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية»، والثاني ما قدمه السياسي والمؤرخ جورج فريدمان في كتابه «الإمبراطورية والجمهورية في عالم متغير».

وينطلق التصور الأول من تبيان دور إسرائيل في إيذاء أمريكا، ويعزوه إلى عدة أسباب، هي:

- أذكى العداء لأمريكا في العالمين العربي والإسلامي، وجعل جهودها الرامية إلى إصلاح أنظمة الحكم فيهما تتعثر.
- قوض صورة أمريكا في أنحاء العالم كله، فدعم إسرائيل في ظل انتهاكها لحقوق الإنسان، واحتفاظها بسلاح نووي، جعل واشنطن تظهر بمظهر المنافق، أو مزدوج السياسات في العالم برمته.
- إطالة أمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تصرفت الحكومة الإسرائيلية دوماً على أن ظهرها محمي، وهي تتوسع في الاستيطان، وتعتدي على جيرانها، وتجهض فرص السلام معهم.
- أعطى الموقف الأمريكي هذا المتشددين الإسلاميين فرصة لتجنيد أتباع لتنظيماتهم وجماعاتهم، ما عزز الراديكالية الإسلامية.

ترتيباً على هذا يقول ميرشايمر ووالت: «إذا كان دعم الولايات المتحدة لإسرائيل يبرر العداء لأمريكا في الشرق الأوسط، ومصدراً للتوتر مع حلفاء استراتيجيين رئيسيين، وإذا كان للمجموعات والأفراد الموالين لإسرائيل تأثير كبير في السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، فمن المهم عندها إثارة المسألة جهارة، وتشجيع النقاش العام لسياسة اللوبي ووقعها».

ويقر الباحثان أن هناك ما سهل طرح هذه المسألة للنقاش، مثل: حرب إسرائيل على لبنان في صيف 2006، وتوعك أمريكا، بل نكبتها، في العراق، وما تعرض له جيمي كارتر من هجوم إثر إصداره كتاب «فلسطين.. السلام وليس الفصل العنصري»، والحرب الكلامية المستعرة بين الولايات المتحدة وإيران، ومساعي تلطيخ سمعة منتقدي اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، خصوصاً على يد المسيحيين الصهاينة. فهذا كله جعل من الضروري طرح السؤال: هل تعمل هذه الجماعات لمصلحة إسرائيل أم أمريكا؟

- إن كل مبررات الدفاع عن إسرائيل، إما بوصفها تشارك الأمريكيين قيمهم، أو تساهم معهم في «الحرب على الإرهاب»، أو هي ورقة استراتيجية للسياسات الأمريكية، لا تصمد أمام التمحيص المنصف، أو أمام حجة من يرون أن إسرائيل باتت تشكل عبئاً سياسياً وأخلاقياً، بل وأمنياً، على الولايات المتحدة، ليس هذا فحسب بل يرى الباحثان أن «أمن إسرائيل ليس ذا أهمية استراتيجية بالنسبة لأمريكا، بل إنه لا سلامة لأراضي أمريكا، ولا قوتها العسكرية، ولا ازدهارها الاقتصادي، ولا قيمها السياسية الأساسية، في ظل دعمها الواسع لإسرائيل».