محمود مرزوق يكتب: مأساة السيدة التفات
محمود مرزوق يكتب: مأساة السيدة التفات
شهدت مصر تحولات جذرية غيرت مسار تاريخها في الفترة القصيرة الممتدة بين يوليو 1952 ويونيو 1953؛ حركة الضباط الأحرار، وإسقاط أسرة محمد علي، وإعلان الجمهورية، كلها محطات فاصلة رسمت ملامح حقبة جديدة لم تؤثر فقط في مصر والشرق الأوسط، بل امتد تأثيرها إلى العلاقات الدولية برمتها.
لكن وراء بريق الشعارات الثورية والأحلام الكبيرة بالعدالة الاجتماعية، تبقى بعض القصص التي جرت وقائعها في هذه الأثناء، تكشفها الوثائق التاريخية.
ما زال المصريون منقسمين حول إرث عبدالناصر وحقبته؛ فالبعض يرى فيها عصراً ذهبياً من الكرامة الوطنية والمشاريع الكبرى والمكاسب الاجتماعية، بينما يراها آخرون حقبة مثيرة للجدل بدت مساوئها عندما تعرضت لأقسى اختبار في يونيو 1967.
والحقيقة أن الحكم على تلك الفترة ليس بالأمر السهل، فالإنصاف يتطلب الابتعاد عن منطق التبرئة المطلقة أو الإدانة الشاملة، والغوص في تفاصيل الأحداث وتشابكاتها المعقدة.
من بين آلاف الوثائق التي تؤرخ لتلك الحقبة، تبرز استغاثة مؤثرة لسيدة اسمها التفات بنت محمد باشا محسن.
كتبت هذه السيدة خطاباً إلى رئيس لجنة مصادرة أملاك أسرة محمد علي، تروي فيه كيف داهم مأمور قسم شبراخيت في البحيرة عزبتها بقرية شبراريس، ووضع الشمع الأحمر على كل ما تملك: منزلها، وحظائر مواشيها، ومخازن حبوبها، كل شيء، والسبب؟ اعتقاد خاطئ بأنها من أسرة محمد علي.
حاولت السيدة التفات أن توضح الحقيقة؛ فهي التفات محمد محسن، سيدة لا تربطها أي صلة بالأسرة الحاكمة السابقة. المشكلة كلها تكمن في تشابه الأسماء مع سيدة أخرى تُدعى عزيزة حسن محسن بنت حسن محسن باشا، وهذه الأخيرة هي من يفترض أن تشملها إجراءات المصادرة.
خطأ إداري بسيط، والتباس في الأسماء، أمر كان يمكن تصحيحه في دقائق لو كان هناك من يستمع. لكن لم يكن هناك من يستمع.
والمفارقة أن التحفظ على أملاك أسرة محمد علي بدأ فعلياً في 1952، بينما لم يصدر القانون الذي يبرر هذه الإجراءات إلا في العام التالي، ولإضفاء مسحة من الشرعية القانونية على هذا الوضع، تم تشكيل لجنتين: واحدة لفحص الطعون خلال أسبوع واحد فقط، وأخرى عليا للبت النهائي في الأمر.
وبالطبع، كان مجلس قيادة الثورة هو من يشكّل اللجنتين، وأحكام اللجنة العليا نهائية لا رجعة فيها ولا طعن عليها.
كان المناخ العام في هذه الآونة تهيمن عليه الحماسة لإجراءات الثورة، ولم يجرؤ أحد على التشكيك في الإصلاح الزراعي الذي منح 5 أفدنة للفلاحين المعدمين!
السيدة التفات محسن لم تستسلم رغم كل شيء؛ ظلت تكتب الالتماسات، وترفع الشكاوى، وتطرق كل باب، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تستعيد ما أُخذ منها لمجرد تشابه الأسماء، وشكاواها لم تجد آذاناً مصغية. مرت السنوات، وكبرت السيدة، وتوفاها الله وهي لا تزال محرومة من أملاكها.
وبعد عقود طويلة، وتحديداً في عام 1999، أصدر مجلس الدولة حكماً تاريخياً برد ممتلكاتها. 45 عاماً من التقاضي، ثم يأتي الحكم بعد أن رحلت صاحبة الحق عن الدنيا بسنوات، بمثابة إنصاف لصاحبة الحق ودعوة لإعادة قراءة التاريخ بعين محايدة وتقديمه للأجيال القادمة بصفته خلاصة تجربة، بها ما يستحق الإشادة، وبها ما يستحق النقد والمراجعة.