عبء إسرائيل على الغرب (2)
يرى المؤرخ والسياسي الأمريكي جورج فريدمان أن الولايات المتحدة لا تواجه علاقة دولة أكثر تعقيداً من العلاقة التي تحافظ عليها مع إسرائيل، بل ليست هناك علاقة مفهومة بشكل أكثر سوءاً منها. ثم يصفها بأنها علاقة تُسمم العلاقات الأمريكية الإسلامية، وتُعقد الحروب في الشرق الأوسط.
ويبني فريدمان رؤيته تلك على أنه عقب انتهاء الحرب الباردة قلّ ما تحصل عليه الولايات المتحدة من العلاقة مع إسرائيل، بينما ازدادت التكاليف، لكنه في النهاية لا يرى أن «هذه المعادلة لا تدعو إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، بل تدعو إلى إعادة معايرة على أساس من الواقع الحالي».
لهذا، نما تيار فكري في الولايات المتحدة يرى أن على واشنطن معاملة إسرائيل كدولة عادية، ما يعني الكف عن التظاهر بأن مصالح أمريكا وإسرائيل متطابقة، أو التصرف وكأن إسرائيل تستحق دعماً أمريكياً راسخاً ومستمراً، بغضّ النظر عما تفعله. وإذا كان من الممكن أن تحصل إسرائيل على هذا الدعم عن تبني سياسات مرغوب فيها بالنسبة لأمريكا، فإن الأخيرة عليها أن تُسمع تل أبيب اعتراضها على سياستها غير الطيبة، شأنها شأن الدول الأخرى. وهنا يقول والت وميرشايمر أيضاً، وبحسم: «على الولايات المتحدة أن تفطم إسرائيل تدريجياً عن المساعدة الاقتصادية والعسكرية التي تتوفر لها حالياً».
في ركاب هذا ورحابه ظهرت قطاعات كثيرة من اليسار الجديد في الغرب تعادي إسرائيل، بمن فيهم عدد كبير من الشباب اليهودي الساخط على قيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، الذي تمثله الدولة الصهيونية في العالم الثالث. ورغم سقوط الراعي الأول للشيوعية، وهو الاتحاد السوفيتي، فإن اليسار، بمعنى السعي وراء العدل ونقد النزوع الاستعماري والاستهلاكي والعنصرية اليمينية، لم يغب يوماً عن المجتمعات الأوروبية، بل إنه راح يكسب أرضاً على الدوام، من الناحية الفكرية، ثم من زاوية الوجود الاجتماعي.
كما أن الأفكار التي يتبناها الملحدون واللادينيون لا تلتزم بالوعد التوراتي لليهود، ولا يشغلها التلازم بين العهدين القديم والجديد الذي وُلدت في ركابه «المسيحية الصهيونية»، وبات عليها مساندة إسرائيل من منطلق عقائدي. بل على العكس من ذلك مال هؤلاء، في ظل النزوع الإنساني في دنيويته وراهنيته، إلى مقت كل نصوص أو تأويلات أو تفسيرات أو سياقات دينية من شأنها إذكاء العنصرية والكراهية.
كانت هذه التصورات تسرى على مهل في أوصال المجتمعات الغربية، حتى جاء «طوفان الأقصى» ليفجر بعض ينابيعها المطمورة، ويُطلق الألسنة الخائفة والمترددة، في رؤوس انشغل بعضها بأسئلة تمس جوهر القضية الفلسطينية، لتأتي الإجابات فيما بعد، كي تمثل تحولاً ملموساً في نظر الشعوب الغربية إلى «الصراع»، الذي لم يكن في حقيقته سوى نزال طويل بين «جلاد» و«ضحية».
هنا، تشير الكثير من استطلاعات الرأي التي أُجريت في الغرب، إلى مقدار التحول الذي طرأ على الرأي العام في الغرب حيال الحرب على غزة، إن قارنا النسب التي أظهرتها في الأيام الأولى، حين كانت الشعوب الغربية خاضعة للرواية أو السردية الإسرائيلية التي أُطلقت في الفضاء الإعلامي الدولي، حول مزاعم اغتصاب النساء، وقطع رؤوس الأطفال، وحرق الجثث، والتي تبنتها الإدارات الغربية أيضاً، ونطق بها الرئيس الأمريكي السابق جون بايدن نفسه، قبل أن يعود ويعتذر عما بدر منه في تسرع ورعونة.
وقد بينت استطلاعات رأي، خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، هذا التحول، وأكدت أيضاً أن حجم تأييد إسرائيل بين المراهقين والشباب في الغرب أقل كثيراً منه لدى كبار السن، مثل استطلاع Harvard/Harris Harvard Caps Harrispoll، الذي يُصدره مركز جامعة هارفارد للدراسات السياسية الأمريكية ومؤسسة Harris Insights and Analytics شهرياً حول موقف الرأي العام الأمريكي حيال القضايا العامة، واستطلاع صحيفتي Daily Mail وNew York Times، واستطلاع شركة YouGov، وكذلك استطلاعان أُجريا في كندا لمؤسسة ومؤسسة Angus Reid، وأيضاً استطلاعات رأي بريطانية، وأخرى متفرقة أجرتها مؤسسة «Generation Lab» وجامعة Queen’s University الأمريكية ومنتدى Times للمراهقين.