زيارة الطبيب النفسي

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

لماذا لا نذهب إلى الطبيب النفسي؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يكشف عن أزمة عميقة في وعينا وثقافتنا تجاه أنفسنا قبل أن يكون تجاه الآخرين. فما زال كثيرون يتصورون أن زيارة الطبيب النفسي اعترافٌ ضمنيٌّ بالجنون، أو إعلان فشلٍ في مواجهة الحياة، بينما الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك.

نحن لا نخجل من زيارة طبيب القلب حين يضطرب النبض، ولا نتردد في الذهاب إلى طبيب العيون حين تضعف الرؤية، فلماذا إذن نتردد حين تتعب الروح ويضيق الصدر ويختل التوازن الداخلي؟ ارتبطت صورة الطبيب النفسي في مجتمعاتنا، للأسف، بمستشفيات الأمراض العقلية، وبصور نمطية ترسخت عبر الدراما وأفلام الأبيض والأسود والحكايات الشعبية، حتى أصبح مجرد التفكير في زيارته أمرًا يثير القلق أو السخرية. بينما في الحقيقة، الطبيب النفسي ليس إلا متخصصًا في فهم النفس البشرية، يساعد الإنسان على استعادة توازنه، وترتيب أفكاره، ومواجهة ضغوطه بطريقة صحية.

الطبيب النفسي ليس ملاذًا للمجنون، بل هو «الصندوق الأسود» للإنسان العاقل. هو ذلك المكان الآمن الذي يمكنك أن تفرغ فيه كل ما يثقل صدرك دون خوف من حكم أو إدانة.

هناك، على مقعد بسيط، قد يشبه «الشيزلونج» الشهير، تبدأ رحلة حقيقية مع الذات، رحلة فهم لا تقل أهمية عن أي علاج عضوي. وكثير من الأمراض العضوية سببها نفسي. في الدول المتقدمة وغير المتقدمة، لم يعد وجود الطبيب النفسي رفاهية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة العمل والحياة.

تجده في المؤسسات والمدارس والجامعات، بل وحتى في الفرق الرياضية، حيث تدرك هذه المجتمعات أن الأداء لا يرتبط فقط بالقوة البدنية، بل بالاتزان النفسي أيضًا. لاعب الكرة اليوم لا ينجح بقدمه فقط، بل بعقله وقدرته على التحكم في التوتر والضغط. أما لدينا، فما زلنا ننظر إلى تخصصات مثل الخدمة الاجتماعية أو الدعم النفسي بنوع من الاستهانة، وكأنها مجالات هامشية، رغم أنها في دول أخرى تُدرّس في أكبر الجامعات، وتُعد جزءًا من المنظومة الطبية المتكاملة.

هذا التناقض يعكس خللًا في ترتيب أولوياتنا، حيث نهتم بالمظاهر أكثر من الجوهر، وبالجسد أكثر من النفس. ولا يمكن فصل هذا كله عن طبيعة العصر الذي نعيشه. ولعل أخطر ما نلمسه اليوم هو تصاعد موجات العنف بين الأطفال والكبار، داخل المدارس وخارجها، بشكل لم يعد يمكن تجاهله أو تبريره.

مشاجرات تتحول إلى مآسٍ، وتنمر يتجاوز حدود المزاح إلى الإيذاء النفسي والجسدي، وسلوكيات عدوانية تصدر عن صغار لم يعرفوا بعد معنى الحياة، لكنها تعكس بوضوح ما يختزنونه من ضغوط واضطرابات. هذا العنف ليس وليد لحظته، ولا يمكن فصله عن البيئة النفسية التي ينشأ فيها الطفل أو يعيش فيها الإنسان عمومًا. هو نتيجة تراكمات من الإهمال والضغط والتفكك الأسري وغياب الحوار وانعدام الدعم النفسي داخل البيت والمدرسة. الطفل الذي لا يجد من يسمعه قد يصرخ بعنف، والمراهق الذي لا يجد من يفهمه قد يتمرد بصورة مؤذية لنفسه وللآخرين. ما يحدث في مدارسنا اليوم، وما نراه من عنف بين الكبار في الشارع أو في أماكن العمل، هو في جوهره انعكاس مباشر لأزمات نفسية لم تجد طريقها للعلاج. وهنا تأتي أهمية وجود أخصائيين نفسيين واجتماعيين داخل المدارس والمؤسسات، ليس كرفاهية، بل كضرورة لحماية المجتمع من الانزلاق إلى دائرة أوسع من العنف. إن تجاهل هذه الظواهر، أو التعامل معها فقط بالعقاب دون فهم جذورها النفسية، هو تأجيل للأزمة لا حل لها.

فالعلاج الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن ما نراه من عنف هو في كثير من الأحيان صرخة ألم لم تجد من يصغي إليها. نحن أمام زمن شديد القسوة، سريع الإيقاع، تسيطر عليه السوشيال ميديا، وتفرض فيه المقارنات القاتلة، وتُصنع فيه صور زائفة للكمال والسعادة. الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح مصدر ضغط دائم، يلاحقنا بالأخبار والآراء والتوقعات، ويجعلنا في حالة استنزاف نفسي مستمر.

في هذا العالم المزدحم، لم يعد الإنسان يحتاج فقط إلى العمل والنجاح، بل يحتاج إلى من يساعده على «النجاة». وهنا يظهر الدور الحقيقي للطبيب النفسي، ليس كعلاج لحالة مرضية، بل كوسيلة للحفاظ على التوازن والقدرة على الاستمرار دون أن نفقد أنفسنا. الذهاب إلى الطبيب النفسي ليس ضعفًا، بل شجاعة. ليس اعترافًا بالهزيمة، بل خطوة نحو الفهم والتعافي. وربما حان الوقت أن نعيد النظر في هذه الفكرة، وأن نتصالح مع أنفسنا، وندرك أن العناية بالنفس لا تقل أهمية عن العناية بالجسد… بل قد تكون هي البداية الحقيقية لكل توازن.