الدكتور مدبولي وفلسفة الاختيار

بقى هذا المقال لسنوات حبيس المسوَّدات، مؤجَّلاً بين الرغبة في الكتابة والتردد في الخروج به إلى العلن. لم يكن السبب نقصاً في الوقائع، بل كان تحفُّظاً مهنياً اعتدته؛ إذ آثرت دائماً أن أبتعد عن كتابة مقالات إيجابية عن مسؤول لا يزال في موقعه، اتقاءً لشبهات المجاملة أو تأويلات المصلحة. غير أن بعض التجارب تفرض نفسها، لا باعتبارها مدحاً لشخص، بل قراءة لنمط إدارة يستحق التأمل.

في حالة الدكتور مصطفى مدبولي، وجدت أن الاستثناء ليس مجاملة، بل محاولة لفهم منطق اختيارٍ يبدو للوهلة الأولى هادئاً، لكنه في جوهره شديد الدلالة.

بحكم عملي الصحفي في تغطية ملف الإسكان لسنوات داخل صحف معارضة ومستقلة، أتيح لي الاقتراب من تعقيدات هذا القطاع؛ وهو من أكثر القطاعات تشابكاً، تتداخل فيه المصالح، وتتراكم فيه قرارات ممتدة عبر عقود، وتُختبر فيه قدرة المسؤول على الموازنة بين القانون والاستثمار، وبين استرداد الحقوق واستمرار عجلة العمل. في هذا السياق، يتمايز نمطان من الإدارة: أحدهما يخوض المعارك الصاخبة ليحقق انتصارات معلنة، والآخر يتجنب الضجيج، لكنه يصل إلى النتائج ذاتها -وأحياناً أفضل- بأقل كلفة ممكنة. هذا النمط الثاني هو ما يمكن رصده بوضوح في تجربة اختيار الدكتور مدبولي.

أتذكر واقعة تبدو عابرة، لكنها كاشفة. في أحد المراكز التجارية بمدينة السادس من أكتوبر، وبينما كنت أنتظر في طابور الدفع، فوجئت بالدكتور مدبولي يقف خلفي، بهدوء كامل، وابتسامة رزينة لا تفارقه، رافضاً محاولات أمن المكان لإقناعه بتجاوز الطابور.
وجدت نفسي أطلب منه أن يتجاوزني في الطابور، بعد أن رأيته يحمل حملاً ثقيلاً، لكني لم أكرر طلبى هذا بعد أن وجدته رافضاً بحسم، لكن بذوق وتواضع واحترام.

لم يكن المشهد استثنائياً في ظاهره، لكنه كان دالاً في معناه: انضباط شخصي لا يحتاج إلى استعراض، واحترام للنظام لا يتجزأ بين العام والخاص. مثل هذه التفاصيل الصغيرة، في تقديري، ليست هامشية؛ بل هي مؤشرات على بنية أعمق في طريقة التفكير واتخاذ القرار، والأهم في فكرة اختياره.

لاحقاً، ومع تتبع مسيرته من وزارة الإسكان إلى رئاسة مجلس الوزراء، بدا أن ما اعتبره البعض غياباً للكاريزما السياسية، أو افتقاراً إلى «الشبكة» التقليدية للنفوذ، كان في الواقع جزءاً من معادلة الاختيار.

فالقيادة السياسية لا تقدم على الاختيار استناداً إلى الحضور الخطابي أو الهالة المصنوعة، بل على القدرة على تحقيق المستهدفات ضمن معادلة معقدة: حماية موارد الدولة دون تعطيل الاستثمارات، وفرض الانضباط دون خلق صدامات واسعة.

كنت قبل هذه الواقعة أشن حملات شرسة مصحوبة بمستندات دامغة على بعض رجال الأعمال المتعاملين مع الوزارة الذين أثروا ثراءً فاحشاً، في فترة ما قبل يناير 2011، جراء تغافل (عمدي) من بعض قيادات في الوزارة عن تحصيل مستحقات الدولة منهم.

ولعل أحد الأمثلة التي عايشت تفاصيلها يوضح هذا المنهج. قطعة أرض مميزة للغاية في إحدى المدن الجديدة المهمة، جرى تخصيصها وفق نظام سداد يمتد لسنوات طويلة، يقضي -باختصار- بدفع 1% للتخصيص ثم استكمال دفع 10% كمقدم، ثم فترة سماح (ثلاث سنوات) للبناء، ثم دفع ما تبقى (90%) خلال سبع سنوات.

بعد انقضاء المدد المقررة، وبعد تعيين الدكتور مدبولي وزيراً للإسكان؛ تبيَّن للرجل أن المستثمر لم يسدد سوى نسبة ضئيلة للغاية من مستحقات الدولة (لم يدفع سوى 1% فقط)، رغم تشغيله مرحلتين للمشروع وتحقيقه عوائد كبيرة تُقدَّر بالمليارات. في مثل هذه الحالات، يكون القرار التقليدي إما التصعيد الكامل بما يحمله من مخاطر قانونية واستثمارية، أو التغاضي (كما فعل بعض سابقيه) بما يعنيه من إهدار للمال العام مقابل تجنب الصدام مع الأباطرة واستمالتهم لمساندته.

ما جرى كان مساراً ثالثاً: إيقاف التوسع في المشروع، والتهديد بسحب جزء من الأرض غير المستغلة والتي تضاعف ثمنها، وربط استمراره بسداد كامل المستحقات، مع فرض غرامات وفوائد وفق القواعد المعتمدة في الجهاز المصرفي، ومنح إطار زمني واضح وصارم للتسوية.

خلال سنوات قليلة، عادت الأموال المستحقة إلى خزينة الدولة بغراماتها وفوائدها، واستمر المشروع في العمل دون أن يتحول إلى نزاع قضائي ممتد أو رسالة سلبية للمستثمرين، ولم يصاحب ذلك ضجيج إعلامي، ولا محاولة لصناعة بطولة، بل إجراء إداري مكتمل العناصر، أعاد حقوق الدولة كاملة، مع إحالة المتقاعسين إلى النيابة الإدارية.

هذا النموذج لم يكن حالة منفردة، بل تكرر -بدرجات مختلفة- في أكثر من 7 مشروعات كنت شاهداً عليها وعايشت عودة مليارات مهملة، حيث تم تصحيح أوضاع قائمة دون هدمها، واستعادة حقوق الدولة دون كلفة انهيار استثماري.

ظل الموقف حاضراً في مخيلتي لسنوات عديدة، وأنا أرى الرجل يترقى لمنصب رئيس مجلس الوزراء، أدركت وقتها سبب اختياره وزيراً ثم رئيساً للحكومة: علمه، وحسن إدارته، ونظافة يده، واحترامه لنفسه، وقدرته على تحقيق الهدف دون صخب أو محاباة، وفي هدوء وصبر.

من هنا، يمكن قراءة فكرة الاختيار بشكل مختلف. ليست المسألة فيمن يرفع سقف الخطاب، أو من يمتلك حضوراً جماهيرياً لافتاً وغالباً مصنوعاً، بل فيمن يدير التعقيد بهدوء، ويحقق التوازن بين متطلبات متعارضة ظاهرياً. في بيئات مثل قطاع الإسكان، حيث تتقاطع المليارات مع مصالح متشابكة، تصبح القدرة على «الإدارة الصامتة» قيمة استراتيجية، لا مجرد سمة شخصية.

عندما أمر اليوم على تلك المشروعات التي تحولت إلى علامات اقتصادية وعمرانية، يتضح أن ما جرى لم يكن مجرد تسويات مالية، بل إعادة ضبط لمنهج كامل: استعادة الحق دون كسر المنظومة، وتصحيح المسار دون تعطيل الحركة. في هذا الإطار، يبدو بشكل جلي أن فلسفة القيادة السياسية في اختيار هذا النموذج من المسؤولين أقرب إلى قرار مبني على فهم لطبيعة المرحلة، لا على معايير الانطباع السريع.

وربما هنا تكمن الفكرة الأعمق: أن بعض الأدوار لا تحتاج إلى صوت مرتفع بقدر ما تحتاج إلى يد ثابتة، وأن ما يبدو هدوءاً على السطح قد يكون في حقيقته الشكل الأكثر فاعلية لإدارة الملفات الشائكة.