عبء إسرائيل على الغرب (3)

تختلف «الذاكرة الجيلية» بين الغربيين حيال إسرائيل، فجيل «زد» أقل ميلاً للتفاعل مع الرواية الإسرائيلية حول «الحق في العودة» و«التعويض عن الاضطهاد» و«معاداة السامية»، وأكثر تعرّضاً لوسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت الكثير من الصور والمقاطع المتلفزة والآراء حول «الإبادة الجماعية» لأهل غزة، التي وصل الانشغال بها إلى حد أن صارت «فلسطين قضية الغرب الأولى» في شهور الحرب، وتعمّق التفاعل معها في ظل حزمة توجّهات مختلفة تتّسق مع تبني «المواقف العادلة»، وتنظر بعين ناقدة إلى الروايات الرسمية التقليدية حول القضية الفلسطينية، وتميل إلى وجهة يسارية تميل إلى النفور من النزوع الاستعماري للحالة الإسرائيلية، وتكتوي بنار العنصرية المتصاعدة في الغرب، ولا تُحبذ تكرارها ضد الشعب الفلسطيني، لاسيما أن فصلاً من هذه العنصرية بين البيض والسود وقع قبل شهور من «طوفان الأقصى». من هنا أصبحت سردية الفلسطيني الضعيف المُقاوِم للقوة الإسرائيلية الاستعمارية والغاشمة أكثر رواجاً وتشويقاً وتصديقاً، لاسيما بعد تفاعل شباب من اليهود الغربيين أنفسهم معها.

ولم يكن موقف الشباب الغربي هذا هو وليد الحرب الأخيرة فقط، بل كان قد أخذ قوة دفع، بدرجة ما، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2021، والذي صاحبته حملات على مختلف وسائل الإعلام الاجتماعي، لمناصرة القضية الفلسطينية، حيث لم يؤتَ على ذكر إسرائيل إلا ورافقتها مصطلحات الفصل العنصري Apartheid والاستعمار الاستيطاني Settler Colonization بحيث أصبحت، تدريجياً وببطء فكرة «إسرائيل دولة الاحتلال» تعوض نظرية «إسرائيل الضحية» في الذهن الغربي.

ورأينا الجامعات الأمريكية تنتفض لتأييد قضية فلسطين، بل تتّسع انتفاضتها نُصرة للحرية في العموم. فالقمع الذي يقابل به كل من يعترض على سياسات إسرائيل أتى بنتائج عكسية، بل فتح أذهان حتى الطلاب اللامبالين أو المحايدين أو غير المشغولين بالسياسة وتصاريفها: لماذا في بلد حر يُمنع الناس من حرية الكلام في قضية ما؟

إن الطلاب الغاضبين في كثير من هذه الجامعات كانوا يزاوجون بين حريتهم وحرية الشعب الفلسطيني، وبين أمنهم وأمن هذا الشعب. فهم في الوقت الذي يرفضون فيه «الإبادة الجماعية» لأهل غزة، وفق ما انتهت إليه محكمة العدل الدولية، ويرفضون استثمار الولايات المتحدة في إٍسرائيل، خصوصاً في الصناعات العسكرية، يطالبون بالإفراج عن الطلاب المعتقلين، وينادون بالامتثال للدستور الأمريكي الذي يُقر الحرية في التعبير، دون مواربة، ويتعجّبون من اتهامهم بـ«معاداة السامية» لمجرد أنهم يرفعون أصواتهم ضد القتل والتدمير.

هكذا أتاحت القضية الفلسطينية للطلاب الأمريكيين، وفي بلدان غربية عدة، أن يضعوا حريتهم النظرية محل اختبار حقيقي في الواقع المعيش، ويضعون الافتراض الذي سبق أن طرحه ميرشايمر ووالت عن تحول إسرائيل إلى عبء على الولايات المتحدة محل تفكير. بل يمتد هذا الاختبار إلى ما يخص حالة الديمقراطية في المجتمع الأمريكي نفسه، ومدى صلاحية بعض الأفكار الكبرى للتطبيق الآن.

إن هذا يعيد إلى الأذهان ما سبق أن جرى في فرنسا، حين هتف الطلاب الغاضبون في المظاهرات التي اجتاحت البلاد في شهري مايو ويونيو من عام 1968 «فلتسقط البنيوية»، جنباً إلى جنب مع شعار «يسقط ديجول»، باعتبار البنيوية سجناً من اللغة، جدرانه من الأنساق والأنظمة، يجعل الإنسان غريباً أو مغترباً بين هذه الجدران أو التحكمات.

رحل ديجول بالفعل، وخلع كثير من البنيويين أرديتهم، وتحطم النسق المنغلق التسلطي، المنطوي على مركز ثابت كالعلة الأولى، لتطل برأسها مناهج ونظريات واقترابات أخرى. وعلى المنوال نفسه، يمكن القول إن ما فعله طلاب الجامعات في الولايات المتحدة ليس بالقليل، فكثير من التغيرات التي يشهدها الرأي العام، لاسيما في الدول الديمقراطية، يبدأ بطرح الأسئلة، واختبار صحة الافتراضات من عدمها. ومن ثم، وبمرور الوقت سيكسر الشباب في الغرب القيود التي تُكبل المواطن هناك حول إسرائيل، والتي تم فرضها عقوداً من الزمن، وتفهّموها أو سكتوا عنها، أو لم يعنوا بها من قبل، ولم يفكروا يوماً في أن يضعوها محل اختبار جاد وحاسم.

لا يبدو الأمر سهلاً وإلا ما كان أثار مخاوف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصف احتجاجات الطلاب الأمريكيين ضد إسرائيل بأنها «عمل مروع»، وطالب، في كلمة مسجلة له، ببذل مزيد من الجهد للتصدي له، قائلاً: «هذا عمل غير معقول، ويتعيّن وقفه وإدانته على نحو لا لبس فيه»، فيما يقول أكاديميون يهود مؤيدون لإسرائيل وأساتذة زائرون من إسرائيل نفسها إن الاحتجاجات حوّلت الجامعات إلى «بيئة معادية لهم، يشعرون فيها بالخطر».

تحدّث نتنياهو أيضاً عن تصاعد «معاداة السامية»، لكن اشتراك يهود في الاحتجاجات، من بينهم أعضاء في جماعة «الصوت اليهودي من أجل السلام»، يتّخذ نقطة ارتكاز للرد على هذا الاتهام، بل يجعل الطلاب يفكرون جادين في هذه المسألة، التي كانوا يسلمون بها في الماضي دون نقاش، ويمكن لقول نتنياهو أن يزيدهم إصراراً على مواصلة ما هم فيه.

إن هذا يُمثل تحولاً مهماً، ينمو شيئاً فشيئاً، نازعاً عن إسرائيل الكثير من التعاطف معها الذي استمر عقوداً، وكاشفاً عن وجهها الحقيقي الذي كان الإعلام ومؤسسات التعليم في الغرب تخفيه طويلاً تحت طبقة سميكة من مساحيق الدعاية والتلوين السياسي الفج، وقد استفادت إيران بالقطع من هذه التحولات في الحرب الراهنة.