البحث عن «العندليب»

هل ما زال عبدالحليم حافظ موجوداً على أجندة اهتمامات الجيل زد، ذلك الجيل الذي يتراوح عمره حالياً ما بين 14 – 29 سنة؟

مر على وفاة العندليب (1977) 49 سنة كاملة، وآخر الأجيال التي عاصرته ذلك الجيل الذي ولد أفراده أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، ويعيش هؤلاء حالياً مرحلة الشيخوخة، أما الجيل زد من مواليد 1997 حتى 2012، فيفصل تاريخ ميلاده عن تاريخ وفاة عبد الحليم حوالي ثلاثة عقود، وقد نشأ في ظل بيئة غنائية تختلف عن البيئة التي تألق فيها عبد الحليم، واندمج في واقع غنائي لمعت فيه بعض الأسماء، بالإضافة إلى أغاني الراب والمهرجانات.

ارتبط أفراد الجيل زد بمطربي النشأة الذي تألقوا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مثل تامر حسني وشيرين وغيرهما، لكن الأمر اختلف نسبياً بعد ظهور الجيل الجديد من وسائل التواصل الاجتماعي والتي تعتمد على الفيديوهات المرئية بشكل أساسي وتسخدم عبر الموبايلات الذكية، مثل موقع تيك توك وموقع إنستجرام وغيرهما.

بحث أفراد الجيل زد عن محتوى غنائي يعبأون به الفيديوهات المرئية فوجدوا ضالتهم في أغاني عبد الحليم حافظ، فتعددت وتنوعت الفيديوهات التي تنقل أغانيه، ومع زيادة الاهتمام بأغاني العندليب ظهرت الفيديوهات التي تتحدث عن عبد الحليم وفنه وإنتاجه الغنائي الغزير، والشعبية الجارفة التي تمتع بها في حياته، وكيف استطاع أن يبقى ذكره خالداً في الوجدان المصري حتى بعد رحيله.

لقد استطاع العندليب أن يجدد نفسه في البيئة الرقمية الجديدة، فأصبح فاعلاً غنائياً أساسياً فيها، وبدأت أغانيه تُقسّم إلى مقاطع يتفاعل معها الجمهور، وبإمكانك أن تتصفح موقع تيك توك أو يوتيوب وتراجع عدد مشاهدات مقاطع أغنيات والأغنيات الكاملة لعبد الحليم حافظ، وستجدها بالملايين، وسوف تلاحظ كيف استطاع العندليب أن ينافس كل أجيال المطربين التي ظهرت بعده. إنها الصيغة الرقمية الجديدة للعندليب.

تجربة عبد الحليم حافظ مع الجيل زد تشهد على حقيقة أن الفن الأصيل يستطيع العبور من زمن إلى زمن ويبقى خالداً في وجدان الأجيال، حتى ولو مضت عقود على رحيل صاحبه عن الحياة، وهي تبرهن أيضاً على أن التكنولوجيا بإمكانها أن تكتسح كل شىء في طريقها إلا الإبداع الخالد، إنها تضيف إليه وتمنحه فرصاً جديدة للحياة والاستمرارية. لقد وفرت التكنولوجيا الجديدة مساحة كبيرة لظهور العديد من الأعمال الإبداعية الخالدة وانتشارها لدى أفراد الجمهور، وبالنسبة للمبدعين الكبار، مثل عبدالحليم حافظ، مثّلت نافذة جديدة من نوافذ عرض إبداعاتهم الأصيلة.

رحم الله العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ،؛ الرجل الذي أحبته أمة بكل أطيافها: رجال وسيدات وفتيات، كبار وصغار، متعلمين وغير متعلمين، أغنياء وفقراء؛ المطرب الذي غنى كل الألوان: عاطفي ووطني وديني، فصيح وعامي؛ الشاب المصري الريفي المكافح الذي خاض مشواراً صعباً تربع في ختامه على عرش الغناء العربي.