حين يعيد الليل ترتيب النهار..!

لماذا يتعامل البعض مع قرار الغلق المبكر للأنشطة التجارية كأنه حظر تجوال؟ ولماذا يختلط في الأذهان تنظيم مواعيد العمل والإغلاق مع تقييد حرية الحركة بين الأماكن أو بين البشر؟
هذا الخلط لا يعكس فقط سوء فهم لطبيعة القرار، بقدر ما يكشف عن اعتياد اجتماعي طويل على نمط حياة امتد فيه الليل أكثر مما ينبغي، حتى أصبح البعض يتصور أن استمرار الأنشطة حتى ساعات متأخرة هو التعبير الوحيد عن حيوية المجتمع. بينما الحقيقة أن الفارق كبير بين أن تنظم الدولة إيقاع النشاط الاقتصادي، وبين أن تقيِّد حركة المواطنين أو تفرض عليهم البقاء في منازلهم.
في تقديري، لا تكمن أهمية قرار الغلق المبكر في مواعيد فتح المحال وإغلاقها فحسب، بل فيما يمكن أن يترتب عليه من إعادة صياغة النظام الاجتماعي اليومي للمصريين. نحن أمام فرصة حقيقية لإعادة ضبط إيقاع الحياة، بما يقربنا من المجتمعات التي طالما نظرنا إليها بإعجاب، لا في مظاهرها فقط، بل في فلسفتها العميقة لاحترام الوقت.
لقد اعتدنا، عبر سنوات طويلة، أن يبدأ يومنا متأخراً وأن يمتد ليلنا أكثر مما ينبغي. أصبحت المقاهي والمطاعم والأنشطة الترفيهية الممتدة حتى الساعات الأولى من الصباح جزءاً من «الطبيعي» في وعينا الجمعي، حتى بدا كأن استمرار الحركة حتى الفجر هو العلامة الوحيدة على حيوية المجتمع. لكن الحقيقة أن هذا النمط، مهما بدا مألوفاً، كان أحد أسباب الفوضى الزمنية التي نعيشها: تأخر في النوم، تأخر في الاستيقاظ، بطء في بداية يوم العمل، وتراجع تدريجي في الإنتاجية.
أذكر أنني يوماً كنت أركض في شوارع فيينا لألحق بأحد المتاجر قبل أن يغلق أبوابه في تمام الخامسة مساءً. كنت بحاجة إلى معطف ثقيل بعدما خذلتني ملابسي وخذلني البرد معاً. وحين وصلت، كانت الساعة تقترب من الخامسة إلا عشر دقائق، ومع ذلك رفض الأمن أن يسمح لي بالدخول. لم يكن الأمر تعنتاً، بل كان تطبيقاً صارماً لفكرة واضحة: الوقت ليس مساحة للارتجال، والنظام لا يعرف المجاملة. يومها اضطررت أن أقضي يوماً آخر أرتجف من البرد، لكنني خرجت بدرس لا يُنسى.. فالمجتمعات المنظَّمة لا تفاوض الزمن.
في معظم دول العالم المتقدم تبدأ الأعمال مبكراً، وتنجز المصالح في ساعات النهار، ثم يفسح المساء لمساحات أخرى من الحياة.. لا أحد هناك يربط بين التحضر وبين متجر مفتوح حتى منتصف الليل، ولا بين الرفاهية ومقهى يستقبل زبائنه حتى الفجر. احترام الوقت هناك ليس تفصيلاً إدارياً، بل جزء من فلسفة المجتمع ذاته.
من هنا، يمكن النظر إلى قرار الغلق المبكر باعتباره فرصة اجتماعية قبل أن يكون مجرد قرار إداري. فرصة لأن نعيد ترتيب أولوياتنا اليومية، فنبدأ أعمالنا في الصباح الباكر، وننهيها في وقت يسمح لنا بأن نعيش حياة أكثر اتزاناً. تخيل فقط كم يمكن أن يتغير شكل يوم الموظف أو الطبيب أو الطالب إذا أصبح النوم مبكراً عادة عامة، والاستيقاظ المبكر سلوكاً مجتمعياً لا استثناءً فردياً.
لعل الغلق المبكر لا يكون نهاية يوم تجاري فحسب، بل بداية يوم اجتماعي جديد.. أكثر نظاماً، وأكثر إنتاجاً، وأكثر قدرة على أن يجعلنا نلحق بالعالم من الباب الصحيح: باب احترام الزمن.. أو هكذا أعتقد..!