جسر أدبي حيوي (2)
قلت للكاتب والناقد فرج مجاهد عبدالوهاب ذات مرة: إن تجربتك في الحياة جديرة بأن تُروى، فكم من عامل في حياتنا الثقافية، لم تأخذه الآلة من الإبداع، ولم يحل التقاط الرزق الشحيح بينه وبين الكتابة. هز يومها رأسه، وانفرجت أساريره، وامتلأ محياه بالبشرى والامتنان، وقال: فعلاً، شرعت في كتابتها، وأتمنى أن يمتد بي العمر، وأقوى على المرض، فأنجزها.
كنت يومها أرى يديه ترتعشان شديداً وهو يمد إحداهما إلى كوب الشاي، مشروبه المفضل، ثم ترتعش أكثر وهو يكتب لي إهداء على كتابه «السرد الحاوي»، حتى إنه أمسك القلم بيمناه، بعد أن رفعها بيسراه، وداس على معصمه لتقوى أصابعه على خط الحروف. سألته: كيف تتمكن من مواصلة الكتابة على الحاسوب؟ ابتسم، وأجاب: بالطريقة التي تراها.
في هذه اللحظة لم يكن الرجل يعتقد أن مرضاً آخر في انتظاره. وذات يوم هاتفني، وأبلغني أن أشعة أظهرت ورماً في البروستاتا، وكان كل ما يتمناه أن يكون حميداً، فلما أبلغه الأطباء بأن ما تمناه قد تحقق، وأن عليه إجراء جراحة عاجلة، تقبل هذا برضاء وصبر، ولم يكن يدري وقتها أن جسده النحيل، المسكون بهذا الوحش الرهيب الذي يسمى «داء السكري»، لن يجعله يتحمل جراحة، وسينهك قواه حد الوقوف على الغياب، وهو ما كان.
في مجموعاته القصصية القصيرة، مثل «هذا العبث» و«أحلام عاجزة» و«ألوان الوجع»، كان يلتقط من تجارب الحياة ما يعرفه، فيعبر عنه سردياً على مهل، ويصوره فنياً بشكل لافت، في ظل رؤيته العامة أن القصة فن جذاب مراوغ يحتاج إلى التكثيف والوضوح في آن.
وفضلاً عن تجاربه الحياتية التي عركته، يعزو فرج مجاهد حبه للقصة القصيرة إلى مصدرين آخرين، الأول: هو ما كانت تحكيه له أمه، مع إخوته وهم صغار، رغم أنها لم تنل قدراً كافياً من التعليم، وتزوجت في سن مبكرة. أما الثاني فهو قراءاته المتواصلة في هذا الفن، سواء كانت قراءة حرة للمتعة أو وظيفية من أجل النقد.
وتسيطر على أبطال قصص هذا الأديب ألوان من القلق والخوف والأرق والنظر إلى الحياة من نافذة الرغبة في العدل والتحقق، ويبرر هو هذا في حوار مع «روز اليوسف» قائلاً: «مات والدي وأنا في السادسة من عمري، وكنت أكبر إخوتي الثلاثة، وتخلى عنا كثير من الأهل، فعملت في أكثر من حرفة مثل: صبي فران، عامل في ورشة، عامل زراعي لتنقية دودة القطن، صبي نجار.. وغيرها، حتى استقرت بي الحال عاملاً في المحلج؛ لهذا كانت هناك دائماً عقدة الخوف من الغد، فربما لا نقدر على دفع مصروفات الدراسة، أو لا نأكل سوى وجبة واحدة في اليوم، وخرجت أمي للعمل في سوق الخضار في مدينة بائسة، المتنزه الوحيد فيها هو الجلوس على النيل في الصيف، والانكماش في البيوت في الشتاء، للتدفئة حول وابور الجاز، ثم تزوجت أمي من رجل آخر، وكنا نعيش في حجرة واحدة حياة صعبة متشظية. وحتى في مهنتي كنت أعمل في صيانة ماكينات حليج القطن، فأغمس يدي في الزيوت والشحومات صباحاً، وأنتهي مساء بجروح في يدي.. فكيف لا يسيطر على أبطالي القلق والقسوة والبؤس؟!».