فيلم «روكي» لاختطاف اليورانيوم المخصب

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

كنت أتابع بعض المحطات الأجنبية وهي تتحدث عن سيناريوهات اختطاف اليورانيوم المخصب من إيران، كنت أسمع حكايات وسيناريوهات وكأنني أشاهد فيلم كارتون أو خيال علمي، كانت سيناريوهات فيلم «روكي» تتداعى إلى الذاكرة، فالحكاية تحكى بطريقة فيلم كاوبوي مليء بالثغرات، وكأنهم يحكون عن اختطاف شنطة حمزة من ميدان العتبة!!، العملية غاية في التعقيد، وهذه حصيلة ما استطعت تجميعه من إجابات عن هذا السؤال من مواقع وصحف تحترم العقل ولا تزغزغه، فالسؤال عن «اقتناص» اليورانيوم المخصب من إيران ليس سؤالاً عسكرياً بسيطاً، بل هو من أعقد الأسئلة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، فاليورانيوم المخصب ليس مجرد مادة يمكن سرقتها في عملية كوماندوز، بل هو نتاج منظومة صناعية موزعة، محمية، ومحصنة سياسياً وعسكرياً، لماذا العملية ليست سهلة؟، لأن اليورانيوم المخصب في إيران موجود داخل منشآت محصنة مثل «نطنز» و«فوردو»، وهي مواقع مصممة خصيصاً لمقاومة الهجمات.
بعضها يقع تحت الأرض بعمق كبير، ومحصن بطبقات من الخرسانة والجبال. هذا يجعل أي محاولة للاستيلاء المباشر عليه شبه مستحيلة دون حرب شاملة، إضافة إلى ذلك، فإن المادة نفسها ليست في «قالب جاهز»، بل في صورة غاز (UF6) داخل أسطوانات خاصة، ما يتطلب تجهيزات تقنية دقيقة لنقلها دون تسرب أو كارثة بيئية، ماذا قالت بعض الصحف الأمريكية؟، هناك تحليلات في صحف ومراكز أبحاث أمريكية (مثل Foreign Affairs وWashington Post وغيرهما) طرحت عدة سيناريوهات نظرية، وليس «خطة واحدة جاهزة»، أبرزها: سيناريو الضربة + التأمين (Strike & Secure)، والفكرة هنا أن تقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل بضرب المنشآت النووية، ثم تدخل قوات خاصة لاحقاً لتأمين المواد النووية ونقلها، لكن هذا السيناريو يواجه مشكلتين؛ هما أن الضربات قد تدمر أو تنثر المواد النووية، والدخول البري إلى عمق إيران يعني حرباً مفتوحة، هناك سيناريو آخر وهو «الانهيار الداخلي»؛ تفترض بعض التحليلات أنه في حال حدوث اضطراب سياسي كبير داخل إيران (ثورة أو تفكك)، يمكن لقوات دولية التدخل لتأمين البرنامج النووي، كما حدث في دول أخرى مع أسلحة خطرة، وهذا السيناريو هو الأقرب نظرياً، لكنه يعتمد على حدث غير مضمون، هناك أيضاً سيناريو النقل الدبلوماسي القسري، وهو ما حدث جزئياً في اتفاق 2015 (JCPOA)، حيث تم نقل كميات من اليورانيوم الإيراني إلى خارج البلاد (روسيا تحديداً) مقابل رفع العقوبات، هذا السيناريو هو الوحيد الذي نجح عملياً، لكنه يعتمد على اتفاق سياسي، وليس عملية «اقتناص»، وسيناريو الحرب الشاملة، في حالة حرب كبيرة، قد يكون الهدف الأمريكي ليس «سرقة» اليورانيوم، بل تدمير القدرة على تخصيبه بالكامل، وفي هذه الحالة، يصبح تدمير البرنامج أسهل من نقله، التحدي الحقيقي والمعضلة الأساسية أن أي محاولة للاستيلاء على اليورانيوم تعني: اختراق سيادة دولة كبيرة، التعامل مع مواد خطرة للغاية، احتمالية رد عسكري إيراني واسع، وخطر انتشار إشعاعي، لذلك تميل الاستراتيجيات الواقعية إلى «الاحتواء» أو «الردع» بدلاً من المغامرة بعملية معقدة كهذه.
اقتناص اليورانيوم المخصب من إيران ليس عملية سهلة ولا حتى خياراً عملياً في أغلب السيناريوهات. السيناريو الأكثر واقعية ليس السرقة أو الاقتحام، بل التفاوض أو تدمير القدرة النووية. وبين هذين الخيارين تتحرك السياسة الأمريكية: بين دبلوماسية تمنع القنبلة، أو قوة تمنع استخدامها، لكن ليس عبر «انتزاعها» ببساطة كما قد توحي بعض العناوين الصحفية.